في مصلَّاه١. وأخبر أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرِّباط٢. وأخبر أنَّ الله تعالى يباهي ملائكته بمن قضى فريضةً وجلس ينتظر أخرى٣. وهذا يدل على أنَّ من صلّى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممَّن يذهب ثم يجيء في وقتها. وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار. والله أعلم.
الرابعة والعشرون٤: أنَّ للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام. والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ من البيت ما وجد من خبز أو غيره، فيتصدَّق به في طريقه سِرًّا. وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرَنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسوله
(١) أخرجه مالك (٤٤١، ٤٤٤) والبخاري (٤٤٥، ٦٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مالك (٤٤٥) ومسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٥٠) وابن ماجه (٨٠١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث صحيح. وانظر: «الصحيحة» (٦٦١).
(٤) كذا في جميع النسخ: «الرابعة والعشرون» مكررة ما عدا ن. والظاهر أن السهو قد وقع في أصل المصنف ثم استمَّر العدُّ على ذلك إلى آخره. وله نظائر في كتبه الأخرى. انظر مثلًا: «طريق الهجرتين» (١/ ٣٦٦). وفي الطبعة الهندية وغيرها: «الخامسة والعشرون».
فالصدقةُ بين يدي مناجاته ﷿ أولى بالفضيلة.
وقال أحمد بن زهير بن حرب١: ثنا أبي٢، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فقال أبو هريرة: «إنَّ في الجمعة لساعةً لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله ﷿ شيئًا إلا آتاه إياه». فقال كعب: أنا٣ أحدِّثكم عن يوم الجمعة: إنه إذا كان يومُ الجمعة فزعت له السَّماوات والأرض والبَرّ والبحر والجبال والشجر والخلائق كلُّها إلا ابن آدم والشياطين، وحَفَّت الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون مَن جاء: الأولَ فالأولَ حتى يخرج الإمام. فإذا خرج الإمام طوَوا صحفهم، فمَن جاء بعدُ جاء لحقِّ الله وما كتب عليه. وحقٌّ على كلِّ حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة. والصدقةُ فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام. ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة. فقال ابن عباس: «هذا حديث كعب وأبي هريرة. وأنا أرى إن كان لأهله طيبٌ يمَسُّ٤ منه».
الخامسة والعشرون: أنه يومُ تجلِّي الله ﷿ لأوليائه المؤمنين في الجنَّة وزيارتهم له، فيكون أقربُهم منه أقربَهم من الإمام، وأسبقُهم إلى الزيارة
(١) في «التاريخ الكبير» له (٢/ ٨٦٦ - السفر الثاني) ط. الفاروق الحديثة، وإسناده أئمة ثقات. وقد تقدم بغير هذا الإسناد والسياق مرة من حديث مالك ومرة من حديث أصحاب «السنن».