وفي «بَيْد» لغتان: بَيد١ بالباء وهي المشهورة، ومَيد بالميم حكاها أبو عبيد٢. وفي هذه الكلمة قولان أحدهما: أنها بمعنى غير، وهو أشهر معنييها. والثاني: بمعنى على أنَّ، وأنشد أبو عبيد شاهدًا له٣:
عَمْدًا فعلتُ ذاك بَيْدَ أنِّي٤
إخالُ٥ لو هلكتُ لن تُرِنِّي٦
تُرِنِّي: تُفْعِلي من الرنين.
(١) ص، ج: «وبيد».
(٢) في «غريب الحديث» (٣/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٣) نقل البغدادي في «شرح أبيات المغني» (٣/ ٢٥) عن «تنقيح إصلاح المنطق» للتبريزي أن البيتين أنشدهما الأصمعي لمنظور بن مرثد الأسدي، ثم ذكر أنه رأى العزو إليه في هامش نسخة «الصحاح» بخط ياقوت. قلت: لم أجد هذه النسبة وبعض ما نقله البغدادي في مطبوعة «تهذيب إصلاح المنطق» (ص ٧٠ - قباوة). وقد عزاه العكبري أيضًا في «المشوف المعلم» (ص ١٢١) إلى منظور بن مرثد.
(٤) «فعلتُ» كذا في م بضم التاء، ولكن الصواب هنا بكسر التاء لأن النقل عن أبي عبيد، وهذا ضبطه في «غريب الحديث»، نصَّ عليه ابن بلبل. وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: «بضم التاء لا غير». وقصة البيتين تؤيد ذلك. انظر: «إصلاح المنطق» (ص ٣٥ - قباوة): حاشية نسخة كوبريلي، و«العباب الزاخر» (٢/ ٦٥٢).
(٥) ما عدا ك: «أخاك»، تصحيف.
(٦) كذا في جميع النسخ: «لن ...»، وهكذا في نسخة دار الكتب من «إصلاح المنطق». والرواية المشهورة: «لم ...». و«تُرِنِّي» مضبوط في م بضم التاء وكسر الراء، وهي الرواية، وعلى هذا أنشده الأصمعي وقال: لا يقال إلا أرنَّت. ذكره السرقسطي في «الأفعال» (٣/ ٤). قول المؤلف بعده: «تفعلي من الرنين» تفسير للكلمة وإشارة إلى مأخذها، لا أنَّ الرنين مصدر الفعل.
التاسعة والعشرون: أنه خِيرة الله ﷿ من أيام الأسبوع، كما أنَّ شهر رمضان خِيرته من شهور العام، وليلة القدر خِيرته من الليالي، ومكة خِيرته من الأرض، ومحمد ﷺ خِيرته من خلقه.
قال آدم بن أبي إياس١: ثنا شيبان٢ أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن كعب الأحبار قال: إنَّ الله ﷿ اختار الشهور فاختار شهر رمضان، واختار الأيام فاختار يوم الجمعة، واختار الليالي فاختار ليلة القدر، واختار الساعات فاختار ساعات الصلوات. والجمعة تكفِّر ما بينها وبين الجمعة الأخرى وتزيد ثلاثًا. ورمضان يكفِّر ما بينه وبين رمضان. والحجُّ يكفِّر ما بينه وبين الحج. والعمرة تكفِّر ما بينها وبين العمرة. ويموت الرجل بين حسنتين: حسنة قضاها، وحسنة ينتظرها، يعني صلاتين. وتصفَّد الشياطين في رمضان، وتغلَق فيه أبوابُ النار، وتفتَح فيه أبوابُ الجنَّة ويقال فيه: يا باغيَ الخير هلمَّ، رمضانَ أجمعَ. وما من ليالٍ أحبُّ إلى الله فيهنَّ العملُ من ليالي العشر.
الثلاثون: أنَّ الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتُوافيها في يوم الجمعة،
(١) لم أجده بهذا التمام بهذا الإسناد. ومن طريق آدم أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ١٥) مختصرًا. وأخرجه العدني في «الإيمان» (ص ٦٨) وابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٣٣٤) وهناد بن السري في «الزهد» (٩٥٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٥) والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (١١٩٩ - ط. الرسالة) والبيهقي في «الشعب» (٣٣٦٣، ٣٤٦٥) من طرق عن كعب مختصرًا ومطولًا ولكن بغير هذا التمام.