الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم١، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت وهم على حالةٍ يطلبون الإقالة ويتمنَّون الرَّجعة فلا يُجابون إليها٢. وكذلك كان ﷺ يفعل عند قدوم وفدٍ يريد أن٣ يُسْمِعهم القرآن٤. وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك، كما صلى في٥ المغرب بـ (الأعراف) وبـ (الطور) و(ق). وكان يصلي في الفجر بنحو مائة آية٦.
وكذلك كانت خطبه ﷺ. إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته. فتمتلئ القلوب من خطبه إيمانًا وتوحيدًا ومعرفةً بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد٧ أمرًا مشتركًا بين الخلائق، وهو٨ النَّوحُ على الحياة والتخويفُ بالموت، فإنَّ هذا أمر لا يحصِّل في القلوب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له٩، ولا معرفةً خاصَّةً به١٠، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه؛ فيخرج
(١) لفظ «أسباب» ساقط من ع. وفيما عدا ق، م، مب، ن: «سعاداتهم».
(٢) تقدم تخريج الأحاديث المشار إليها.
(٣) لم يرد «أن» في ص، ج.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) «في» من ص، ج.
(٦) تقدم تخريجها.
(٧) ق، م: «يفيد».
(٨) ما عدا مب: «وهي»، ومن أجل ذلك وقع في النسخ المطبوعة قبله: «أمورًا مشتركة».
(٩) «له» من ق، م، مب، ن.
(١٠) «به» ساقط من ص.
السامعون ولم يستفيدوا فائدةً غير أنهم يموتون، وتُقسَّم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم. فيا ليت شعري أيُّ إيمان حصل بهذا؟ وأيُّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟
ومن تأمَّل خُطَبَ النَّبيِّ ﷺ وخُطَب أصحابه وجدها كفيلةً ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الربِّ ﷻ وأصول الإيمان الكلِّيّة، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه التي تحبِّبه إلى خلقه، وأيامه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمرِ بذكره وشكره الذي يحبِّبهم إليه. فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحبِّبهم إليه؛ فينصرف السامعون وقد أحبُّوه وأحبَّهم.
ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام، من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها. فأعطوها صورها، وزيَّنوها بما زيَّنوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها. فرصَّعوا١ الخطب بالتسجيع والفِقَر وعلم البديع، فنقص بل عُدِم حظُّ القلوب منها، وفات المقصود بها.
فمما حُفِظ من خطبه ﷺ أنه كان يُكثِر أن يخطب بالقرآن وبسورة (ق). قالت أم هشام٢ بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ مما يخطُب بها على المنبر٣.