زاد المعاد

السامعون ولم يستفيدوا فائدةً غير أنهم يموتون، وتُقسَّم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم. فيا ليت شعري أيُّ إيمان حصل بهذا؟ وأيُّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟

ومن تأمَّل خُطَبَ النَّبيِّ ﷺ وخُطَب أصحابه وجدها كفيلةً ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الربِّ ﷻ وأصول الإيمان الكلِّيّة، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه التي تحبِّبه إلى خلقه، وأيامه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمرِ بذكره وشكره الذي يحبِّبهم إليه. فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحبِّبهم إليه؛ فينصرف السامعون وقد أحبُّوه وأحبَّهم.

ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام، من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها. فأعطوها صورها، وزيَّنوها بما زيَّنوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها. فرصَّعوا١ الخطب بالتسجيع والفِقَر وعلم البديع، فنقص بل عُدِم حظُّ القلوب منها، وفات المقصود بها.

فمما حُفِظ من خطبه ﷺ أنه كان يُكثِر أن يخطب بالقرآن وبسورة (ق). قالت أم هشام٢ بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ مما يخطُب بها على المنبر٣.

  1. (١) ص، ج: «فرصفوا». مب، ن: «فوضعوا».
  2. (٢) ج: «أم هانئ»، ولعله سبق قلم.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٨٧٣).
531

وحُفِظ من خطبه ﷺ من رواية علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف: «يا أيها الناس١، توبوا إلى الله ﷿ قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربِّكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السِّرِّ والعلانية= تؤجَروا وتُحْمَدوا وتُرزَقوا. واعلموا أن الله ﷿ قد فرض عليكم الجمعة فريضةً مكتوبةً في مقامي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، مَن وجد إليها سبيلًا. فمن تركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها واستخفافًا بها، وله إمام جائر أو عادل؛ فلا جَمع الله له شملَه، ولا بارك له في أمره. ألا ولا صلاة له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا صوم له٢، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا برَّ٣ له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه. ألا ولا تؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ألا ولا يؤُمَّنَّ أعرابيٌّ مهاجرًا، ألا ولا يؤُمَّنَّ فاجرٌ مؤمنًا، إلا أن يقهره سلطانٌ يخاف سيفه وسوطه»٤.

وحفظ من خطبه أيضًا: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله

  1. (١) ص، ج: «أيها الناس» دون «يا».
  2. (٢) «ألا ولا صوم له» لم يرد في ص، ج، مب. وفي ك، ع: «صيام».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «بركة»، تحريف.
  4. (٤) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١) وابن عدي في «الكامل» في ترجمة عبد الله بن محمد العدوي (٦/ ٥٥٩ - ٥٦١) والبيهقي في «الكبرى» (٣/ ١٧١) و«شعب الإيمان» (٢٧٥٤). وفي إسناده الوليد بن بكير، لين الحديث؛ وعبد الله العدوي، متروك؛ وعلي بن زيد بن جدعان، ضعيف. وأخرجه عبد بن حميد (١١٣٤) من طريق آخر عن علي بن زيد نحوه.
532

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي