وحده من غير شاويشٍ يصيح بين يديه، ولا لُبْسِ طَيلَسان ولا طَرْحَة ولا سَواد١.
فإذا دخل المسجدَ سلَّم عليهم. فإذا صعِد المنبرَ استقبل الناسَ بوجهه وسلَّم عليهم. ولم يدعُ مستقبلَ القبلة. ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبيُّ ﷺ، فخطَب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبرٍ ولا غيره.
ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره. وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا قبل أن يتخذ المنبر٢. وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصًا. ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف.
وما يظنُّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأنَّ ذلك إشارة إلى أنَّ الدِّين قام بالسيف= فمِن فرط جهله٣. فإنه لا يُحفَظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه كان يأخذ بيده سيفًا البتة. وإنما كان يعتمد على عصًا أو قوس.
(١) تقدَّم تفسير الشاويش والطيلسان والطرحة.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٨٥٦) وأبو داود (١٠٩٦) وأبو يعلى (٦٨٢٦) والطبراني (٣/ ٢١٣)، فيه شهاب بن خِرَاش وشعيب بن رُزَيق، كلاهما صدوق مع لين فيهما، وحسن إسناده الحافظ في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٠٢١)، والحديث صححه ابن خزيمة (١٤٥٢)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢٦١). وانظر: «البدر المنير» (٤/ ٦٣٢ - ٦٣٦).
(٣) تقدَّم مثله في (ص ٢٠٥ - ٢٠٦).
وكان منبره ثلاث درجات١. وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جِذْعٍ يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر حنَّ الجِذعُ حنينًا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه النَّبيُّ ﷺ وضمَّه. قال أنس٢: حنَّ لِما فقَد ما كان يسمع من الوحي٣.
ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وُضِع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط مقدار ممرِّ الشاة٤.
وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة، أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، فكان وجهه قبلتهم وقتَ الخطبة٥.
وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسةً خفيفةً، ثم يقوم فيخطب
(١) أخرجه مسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد.
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٨٤، وانظر: ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٥) من حديث جابر بن عبد الله. والقائل جابر، لا أنس. ولفظه في (٢٠٩٥) قال: «بكت على ما كانت تسمع من الذكر». قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٣١٩): «يحتمل أن يكون فاعل «قال» راوي الحديث ــ يعني جابرًا ــ لكن صرَّح وكيع في روايته عن عبد الواحد بن أيمن بأنه النبي ﷺ. أخرجه أحمد [١٤٢٠٦] وابن أبي شيبة [٣٢٤٠٧] عنه».
(٣) في هامش م، ن: «وفقده التصاق النبي ﷺ إليه» مع علامة صح، وكذا في ق في المتن بعد كلمة «الوحي» دون لفظ «إليه». وكذا في النسخ المطبوعة. وأنا أشكُّ في كون العبارة جزءًا من المتن، فالسياق نابٍ عنه، والمذكور في الهامش ليس من كلام أنس ولا جابر.
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٧) ومسلم (٥٠٩/ ٢٦٣) من حديث سلمة بن الأكوع، واللفظ لأبي داود (١٠٨٢).
(٥) انظر: حديث أبي سعيد في «صحيح البخاري» (٩٢١) و«صحيح مسلم» (١٠٥٢). وقد بوّب عليه البخاري في «صحيحه»: «باب يستقبل الإمامُ القومَ، واستقبال الناس الإمامَ إذا خطب ...».