وكان منبره ثلاث درجات١. وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جِذْعٍ يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر حنَّ الجِذعُ حنينًا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه النَّبيُّ ﷺ وضمَّه. قال أنس٢: حنَّ لِما فقَد ما كان يسمع من الوحي٣.
ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وُضِع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط مقدار ممرِّ الشاة٤.
وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة، أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، فكان وجهه قبلتهم وقتَ الخطبة٥.
وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسةً خفيفةً، ثم يقوم فيخطب
(١) أخرجه مسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد.
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٨٤، وانظر: ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٥) من حديث جابر بن عبد الله. والقائل جابر، لا أنس. ولفظه في (٢٠٩٥) قال: «بكت على ما كانت تسمع من الذكر». قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٣١٩): «يحتمل أن يكون فاعل «قال» راوي الحديث ــ يعني جابرًا ــ لكن صرَّح وكيع في روايته عن عبد الواحد بن أيمن بأنه النبي ﷺ. أخرجه أحمد [١٤٢٠٦] وابن أبي شيبة [٣٢٤٠٧] عنه».
(٣) في هامش م، ن: «وفقده التصاق النبي ﷺ إليه» مع علامة صح، وكذا في ق في المتن بعد كلمة «الوحي» دون لفظ «إليه». وكذا في النسخ المطبوعة. وأنا أشكُّ في كون العبارة جزءًا من المتن، فالسياق نابٍ عنه، والمذكور في الهامش ليس من كلام أنس ولا جابر.
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٧) ومسلم (٥٠٩/ ٢٦٣) من حديث سلمة بن الأكوع، واللفظ لأبي داود (١٠٨٢).
(٥) انظر: حديث أبي سعيد في «صحيح البخاري» (٩٢١) و«صحيح مسلم» (١٠٥٢). وقد بوّب عليه البخاري في «صحيحه»: «باب يستقبل الإمامُ القومَ، واستقبال الناس الإمامَ إذا خطب ...».
الثانية١. فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناسَ بالدنوِّ منه، ويأمرهم بالإنصات، ويخبرهم أنَّ الرجل إذا قال لصاحبه: أنصِتْ، فقد لغا. ويقول: «من لغا فلا جمعة له». وكان يقول: «من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا. والذي يقول: أنصِتْ، ليست له جمعة». رواه الإمام أحمد٢.
وقال أبيُّ بن كعب: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكَّرَنا بأيام الله، وأبو الدَّرداء أو أبو ذَرٍّ يغمِزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ إنّي لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكُتْ. فلما انصرفوا قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. فقال أبيٌّ٣: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، وأخبره الذي قال أبيٌّ، فقال رسول الله ﷺ: «صدق أُبَيّ». ذكره ابن ماجه وسعيد بن منصور٤، وأصله في «مسند أحمد»٥.
(١) أخرجه البخاري (٩٢٠) ومسلم (٨٦١) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه مسلم (٨٦٢) من حديث سمرة بن جندب؛ غير أن مقدار الجلسة بين الخطبة أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٥٥) من مرسل ابن شهاب الزهري.
(٢) برقم (٢٠٣٣) من حديث ابن عباس، وفيه مجالد، وقد تقدم تخريجه والذي قبله.
(٣) في النسخ المطبوعة: «انه»، ولعله تصحيف.
(٤) «السنن والأحكام» للمقدسي (٢٢٤٧). أخرجه ابن ماجه (١١١١) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي بن كعب؛ وإسناده حسن إلا أن في سماع عطاء بن يسار عن أبي بن كعب نظرًا، كما أشار إليه الذهبي في «تلخيص المستدرك» والحافظ في «إتحاف المهرة» (١٤/ ١٧٢، ١٧٣). وانظر التخريج الآتي.
(٥) برقم (٢١٢٨٧) من زيادات عبد الله بن أحمد، من طريق عبد العزير بن محمد به. وأخرجه ابن خزيمة (١٨٠٧، ١٨٠٨) والحاكم (١/ ٢٨٧، ٢٨٨ و٢/ ٢٢٩، ٢٣٠) والبيهقي (٣/ ٢١٩، ٢٢٠) من طرق عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي ذر. فلعل الاضطراب من قبل شريك بن عبد الله بن أبي نمر الليثي ــ وهو صدوق يخطئ ــ فجعله من حديث أبي ذر بدل أبي بن كعب. وانظر: «نصب الراية» (٢/ ٢٠٢) وتعليق محققي «المسند».