زاد المعاد

وقال ﷺ: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجلٌ حضَرها بلغْوٍ، وهو حظُّه منها. ورجل حضَرها بدعاءٍ، فهو رجل دعا الله ﷿، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضَرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطَّ رقبةَ مسلم، ولم يؤذِ أحدًا فهي كفَّارةٌ إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام. وذلك أنَّ الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]». ذكره أحمد وأبو داود١.

وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبيُّ ﷺ في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذان واحد. وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها. وهذا أصحُّ قولَي العلماء، وعليه تدل السنَّة، فإنَّ النبي ﷺ كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبيُّ ﷺ في الخطبة من غير فصل. وهذا كأنَّه٢ رأيُ عين، فمتى كانوا يصلُّون السنَّة؟ ومن ظنَّ أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلُّهم،

  1. (١) أحمد (٧٠٠٢) وأبو داود (١١١٣)، وأخرجه ابن خزيمة (١٨١٣) والبيهقي (٣/ ٢١٩) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والإسناد إلى عمرو بن شعيب صحيح. وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» للألباني (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «كان»، تحريف.
540

فركعوا ركعتين، فهو من١ أجهل الناس بالسنَّة. وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنَّة لها قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي٢.

والذين قالوا: لها٣ سنة، منهم من احتجَّ بأنها ظهرٌ مقصورةٌ، فيثبت٤ لها أحكام الظهر. وهذه حجَّة ضعيفة جدًّا، فإنَّ الجمعة صلاة مستقلَّة بنفسها تُخالِف الظهرَ في الصفة٥ والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت. وليس إلحاق مسألة النزاع بمورد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقُها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا٦ فيه.

ومنهم من أثبت السنَّة لها بالقياس على الظهر. وهذا أيضًا قياس فاسد، فإن السنَّة ما كان ثابتًا عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو سنَّة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. ولا يجوز إثبات السُّنن في مثل هذا بالقياس، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي ﷺ، فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة.

ونظير هذا أن يُشرَع لصلاة العيد سنَّةٌ قبلها أو بعدها بالقياس. ولذلك كان الصحيح أنه لا يُسَنّ الغسلُ للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا

  1. (١) لم يرد «من» في ق، م، ن.
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٨٩) والمصنف صادر عن كلام شيخه في المسألة.
  3. (٣) ق، مب: «إنها».
  4. (٤) ما عدا ق، م، مب: «فثبت».
  5. (٥) ق، م: «السفر». وفي مب: «الجهر».
  6. (٦) في ص: «اتفق».
541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي