ﷺ خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها ومعه بلال» الحديث.
فترجَم للعيد مثل ما ترجَم للجمعة، وذكر للعيد حديثًا دالًّا على أنه لا تُشرَع١ الصلاة قبلها ولا بعدها، فدلَّ على أن مراده من الجمعة ذلك.
وقد ظنَّ بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلًا عن الظهر، وقد ذكر في الحديث السنَّة قبل الظهر وبعدها، دلَّ على أنَّ الجمعة كذلك. وإنما قال: «وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف» بيانًا لموضع صلاة السنَّة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف. وهذا الظنُّ غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوُّع بعد المكتوبة حديث ابن عمر٢: «صلَّيتُ مع النبي٣ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة». فهذا صريح في أنَّ الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلَّة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتَجْ إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر. فلمَّا لم يذكر لها سنةً إلا بعدها عُلِم أنه لا سنةَ لها قبلها.
ومنهم من احتجَّ بما رواه ابن ماجه في «سننه»٤ عن أبي هريرة وجابر
(١) ص، ج، ع: «يشرع».
(٢) برقم (١١٧٢).
(٣) ك، ع: «رسول الله».
(٤) برقم (١١١٤)، وأخرجه أبو يعلى (١٩٤٦) وابن حبان (٢٥٠٠). وأصله عند البخاري في «جزء القراءة» (ص ٤٢) ومسلم (٨٧٥/ ٥٩) دون زيادة: «قبل أن تجيء» وهي شاذة، تفرد بها داود بن رشيد من بين أصحاب حفص بن غياث. وانظر ما يأتي من كلام المؤلف، وكذلك تعليق محققي «المسند» (١٤٤٠٥).
قالا: جاء سُلَيك الغطفاني، ورسولُ الله ﷺ يخطب، فقال له: «أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟». قال لا. قال: «فصلِّ ركعتين، وتجوَّزْ فيهما». وإسناده ثقات.
قال أبو البركات ابن تيمية١: وقوله «قبل أن تجيء» يدل عن أنَّ هاتين الركعتين سنة للجمعة، وليست تحية للمسجد. قال شيخنا حفيده٢ أبو العباس ابن تيمية٣: وهذا غلط، والحديث المعروف في «الصحيحين»٤ عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: «صلَّيتَ؟». قال: لا. قال: «فصلِّ ركعتين». وقال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما». فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة. هذا معنى كلامه.
وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المِزِّي: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو «أصلَّيتَ قبل أن تجلس»، فغلط فيها الناسخ. قال: وكتاب ابن ماجه إنما تداوله شيوخٌ لم يعتنوا به، بخلاف «صحيح٥ البخاري ومسلم»، فإنَّ
(١) في «شرح الهداية» فيما يبدو.
(٢) «حفيده» لم يرد في ص، ج.
(٣) لم يرد «ابن تيمية» في ق، م، مب، ن. ولعل المؤلف صادر عن رسالة شيخه «في الركعتين اللتين تصلَّيان قبل الجمعة» ذكرها الصفدي في «الوافي» و«أعيان العصر». انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٥٨، ٣٨٠).
(٤) البخاري (٣٩١، ٩٣٠) ومسلم (٨٧٥) والجملة الأخيرة «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ...» عند البخاري برقم (١١٧١) ومسلم برقم (٨٧٥/ ٥٩) واللفظ له.
(٥) كذا في النسخ والطبعات القديمة بالإفراد، فثنَّاه الفقي، وتبعته طبعة الرسالة.