قالا: جاء سُلَيك الغطفاني، ورسولُ الله ﷺ يخطب، فقال له: «أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟». قال لا. قال: «فصلِّ ركعتين، وتجوَّزْ فيهما». وإسناده ثقات.
قال أبو البركات ابن تيمية١: وقوله «قبل أن تجيء» يدل عن أنَّ هاتين الركعتين سنة للجمعة، وليست تحية للمسجد. قال شيخنا حفيده٢ أبو العباس ابن تيمية٣: وهذا غلط، والحديث المعروف في «الصحيحين»٤ عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: «صلَّيتَ؟». قال: لا. قال: «فصلِّ ركعتين». وقال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما». فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة. هذا معنى كلامه.
وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المِزِّي: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو «أصلَّيتَ قبل أن تجلس»، فغلط فيها الناسخ. قال: وكتاب ابن ماجه إنما تداوله شيوخٌ لم يعتنوا به، بخلاف «صحيح٥ البخاري ومسلم»، فإنَّ
(١) في «شرح الهداية» فيما يبدو.
(٢) «حفيده» لم يرد في ص، ج.
(٣) لم يرد «ابن تيمية» في ق، م، مب، ن. ولعل المؤلف صادر عن رسالة شيخه «في الركعتين اللتين تصلَّيان قبل الجمعة» ذكرها الصفدي في «الوافي» و«أعيان العصر». انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٥٨، ٣٨٠).
(٤) البخاري (٣٩١، ٩٣٠) ومسلم (٨٧٥) والجملة الأخيرة «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ...» عند البخاري برقم (١١٧١) ومسلم برقم (٨٧٥/ ٥٩) واللفظ له.
(٥) كذا في النسخ والطبعات القديمة بالإفراد، فثنَّاه الفقي، وتبعته طبعة الرسالة.
الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما. قال: ولذلك يقع فيه أغلاط وتصحيف١.
قلت٢: ويدل على صحة هذا أنَّ الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنَّفوا في ذلك من أهل السنن والأحكام وغيرها، لم يذكر أحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيَّة المسجد والإمامُ على المنبر، واحتجُّوا به على مَن منع فعلَها٣ في هذه الحال. فلو كانت هذه هي سنَّة الجمعة لكان ذكرُها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد.
ويدل عليه أيضًا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخلَ لأجل أنهما تحية المسجد. ولو كانت سنَّةً للجمعة لأمرَ بها القاعدين أيضًا ولم يخُصَّ بالأمر بها الداخلَ٤ وحده.
ومنهم من احتجَّ بما رواه أبو داود في «سننه»٥: حدثنا مسدَّد، ثنا
(١) نقله برهان الدين ابن المصنف أيضًا عن شيخه المزِّي في رسالته «تحقيق القول في سنة الجمعة» (ص ٦٤).
(٢) في ك: «قال»، وهو سهو من الناسخ. وقد أصلح في ع.
(٣) مب، ن: «مِن فعلها».
(٤) ما عدا ق، م، مب، ن: «للداخل»، ولعله تصحيف.
(٥) برقم (١١٢٨)، ومن طريق مسدد أخرجه أيضًا ابن حبان (٢٤٧٦) والبيهقي (٦١٥٤). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٥٤٠٣) والنسائي في «المجبتى» (١٤٢٩) و«الكبرى» (١٧٥٩) وابن خزيمة (١٨٣٦) من طرق عن نافع به. والحديث صحيح، انظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢٩٠، ٢٩١).