قُدِّر له، ثم أنصَت حتى يفرغَ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه= غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضلُ ثلاثة أيام»١.
وفي حديث نُبَيشة الهذلي: «إنَّ المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمامَ خرَجَ صلّى ما بدا له، وإن وجد الإمام خرَج جلَس، واستمَع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه= إن لم يُغفَر له في جمعته تلك ذنوبُه كلُّها أن تكون كفارةً للجمعة التي تليها»٢.
وهكذا كان هدي الصحابة ﵃٣. قال ابن المنذر٤: رُوِّينا عن ابن عمر أنه كان يصلِّي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعةً. وعن ابن عباس أنه كان يصلِّي ثمان ركعات.
وهذا دليل على أن ذلك منهم كان من باب التطوُّع المطلق، ولذلك اختلف العدد المرويّ عنهم في ذلك. وقال الترمذي في «الجامع»٥: وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلِّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا. وإليه ذهب ابن المبارك والثوري.
(١) أخرجه مسلم (٨٥٧/ ٢٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٧٢١)، وهو منقطع بين عطاء الخراساني ونبيشة الهذلي، وقد تقدم (ص ٤٧٧).
(٣) الترضي من ق، م، مب.
(٤) في «الأوسط» (٤/ ١٠٥) و«الإشراف» (٢/ ١١٢).
(٥) عقب (٥٢٣). وانظر للآثار: «مصنف عبد الرزاق» (٥٥٢٤، ٥٥٢٥) و«الأوسط» لابن المنذر (٤/ ١٣٨ - ١٣٩).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري١: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي إلى أن يعلم أنَّ الشمس قد قاربت أن تزول. فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذِّن المؤذن. فإذا أخذ في الأذان قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يفصل بينهما بالسلام. فإذا صلَّى الفريضة انتظر في المسجد، ثم يخرج منه فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرة الجامع، فيصلِّي فيه ركعتين، ثم يجلس. وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين أخريين. فتلك ستُّ ركعات على حديث علي. وربما صلَّى بعد الستِّ ستًّا أُخَر أو أقلَّ أو أكثر.
وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه روايةً عنه: أنَّ للجمعة قبلها سنَّةً ركعتين أو أربعًا. وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر؛ فإنَّ أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقتُ النهي قام فأتمَّ تطوُّعَه إلى خروج الإمام، فربما أدرك أربعًا، وربما لم يدرك إلا ركعتين.
ومنهم من احتجَّ على ثبوت السنَّة قبلها بما رواه ابن ماجه في «سننه»٢: ثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن عبد ربِّه، ثنا بقية، عن مبشِّر بن عبيد، عن حجَّاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يركع من قبل الجمعة أربعًا، لا يفصل في شيء منهنَّ». قال ابن ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره.
وهذا الحديث فيه عدة بلايا:
(١) في «مسائله» (ص ١٢١).
(٢) برقم (١١٢٩)، وأخرجه الطبراني (١٢/ ١٢٩) من طرق بقية بن الوليد به. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة مبشر بن عبيد (١٠/ ١١) من حديث أبي سعيد مرفوعًا من قول النبي ﷺ: «من شاء صلى ...».