يسلِّم، فيستقبل الناس فيقول: «تصدَّقوا»، فكان أكثرَ من يتصدَّق النِّساءُ. فذكر الحديث.
ثم قال١: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أبو عامر، ثنا داود، عن عياض، عن أبي سعيد: كان النبي ﷺ يخرج في يوم الفطر، فيصلِّي بالناس، فيبدأ بالركعتين ثم يستقبلهم وهم جلوس، فيقول: «تصدَّقوا»، فذكر مثله. وهذا إسناد ابن ماجه٢ إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. فلعله: «ثم يقوم على رجليه٣» كما قال جابر: «قام متوكِّئًا على بلال»، فتصحَّفت على الكاتب بـ «راحلته»٤، فالله أعلم.
فإن قيل: فقد أخرجا في «الصحيحين»٥ عن ابن عباس قال: «شهدت صلاة الفطر مع نبي الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلُّهم يصلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطب. قال: فنزل نبيُّ الله ﷺ، كأنِّي أنظر إليه حين يُجلِس الرِّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النِّساءَ، ومعه بلال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾[الممتحنة: ١٢]، فتلا الآية
(١) وإسناده صحيح؛ وأبو بكر بن خلاد هو محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، ثقة؛ وأبو عامر هو العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة أيضًا.
(٢) برقم (١٢٨٨).
(٣) في ك: «راحلته»، تحريف. وقد أصلح في ع.
(٤) «كما قال جابر ... براحلته» ساقط من ص. وصدق ظنُّ المؤلف ﵀ فإنَّ في النسخة المعتمدة في طبعة دار الرسالة: «رجليه» حسب تعليق محققيها.
(٥) البخاري (٤٨٩٥) ومسلم (٨٨٤).
حتى فرغ منها» الحديث. وفي «الصحيحين»١ أيضًا٢ عن جابر «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام، فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناسَ بعدُ. فلما فرغ نبيُّ الله ﷺ نزَل، فأتى النساءَ فذكَّرهن» الحديث. وهذا يدل على أنه كان يخطب على منبر أو راحلته، ولعله كان قد بني له منبر من لَبِن وطين أو نحوه؟
قيل: لا ريب في صحَّة هذين الحديثين، ولا ريب أنَّ المنبر لم يكن يُخرَج من المسجد. وأولُ من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكِرَ عليه. وأمَّا منبر اللَّبِن والطين فأوَّلُ من بناه كَثير بن الصَّلْت في إمارة مروان على المدينة كما هو في «الصحيحين»٣. فلعله ﷺ كان يقوم في المصلَّى على مكان مرتفع، أو دُكَّان ــ وهي التي تُسمَّى المِصْطَبَّة ــ ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، ويخطبهن، فيعظهن ويذكِّرهن. والله أعلم.
وكان يفتتح خطبه كلَّها بالحمد لله. ولم يُحفَظ عنه في حديث واحد أنه افتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في «سننه»٤ عن سعد٥ مؤذِّن النبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ كان يكثر التكبير٦ بين أضعاف
(١) البخاري (٩٦١، ٩٧٨) ومسلم (٨٨٥)، وقد تقدم جزء منه.
(٢) «أيضًا» من ق، م، مب، ن.
(٣) البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩) من حديث أبي سعيد، وفيه قصة إنكاره على مروان. وذِكر الطين واللبن عند مسلم فقط.
(٤) برقم (١٢٨٧)، وأخرجه الحاكم (٣/ ٦٠٧) والبيهقي (٣/ ٢٩٩) من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن عن أبيه عن أبيه عن جده. وعبد الرحمن بن سعد ضعيف، وأبوه وجدّه كلاهما مجهول.
(٥) زاد الفقي بعده: «القرظ». وكذا في طبعة الرسالة.
(٦) لفظ ابن ماجه: «كان النبي ﷺ يكبِّر». وفي مطبوعة «السنن الكبرى»: «يكبِّر التكبير».