ثم انصرف، فخطب بهم خطبةً بليغةً، حُفِظ منها قوله: «إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلُّوا، وتصدَّقوا. يا أمة محمد، والله ما أحدٌ أغيَرَ من الله أن يزني عبدُه أو تزني أمتُه. يا أمةَ محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لَضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»١.
وقال٢: «لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ شيء وُعدِتم٣، حتى لقد رأيتُني أريد أن آخذَ قطفًا من الجنَّة حين رأيتموني أتقدَّم. ولقد رأيت جهنَّم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخَّرتُ»٤.
وفي لفظ: «رأيتُ النار، فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ أفظعَ٥، ورأيت أكثر أهلها النساء». قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن». قيل: أيكفُرن بالله؟ قال: «يكفُرن العشيرَ، ويكفُرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه ثم رأت منك شيئًا. قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ»٦.
ومنها: «ولقد أُوحيَّ إليَّ أنكم تُفتنون في القبور مثلَ ــ أو قريبًا من ــ فتنة الدَّجَّال. يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمُك بهذا الرَّجل؟ فأما المؤمن ــ أو
(١) أخرجه البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١/ ١) من حديث عائشة ﵂.
(٢) لفظ «قال» لم يرد في ص.
(٣) بعده في ق، م، مب، ن زيادة: «به». والنص في «الصحيح» كما في النسخ الأخرى دون هذه الزيادة.
قال: الموقن ــ فيقول: محمَّد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علِمنا إنْ كنتَ لَمؤمنًا. وأما المنافق ــ أو قال: المرتاب ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته»١.
وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل٢ أنه لمَّا سلَّم حمِد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبد الله ورسوله. ثم قال: «أيها الناس أنشُدكم بالله، إن كنتم تعلمون أني قصَّرتُ عن شيءٍ من تبليغ رسالات ربِّي لَمَا أخبرتموني ذلك؟». فقام رجالٌ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّك، ونصحتَ لأمتك، وقضيتَ الذي عليك. ثم قال: «أمَّا بعد، فإنَّ رجالًا يزعمون أنَّ كسوفَ هذه الشمس وكسوفَ هذا القمر وزوالَ هذه النجوم عن مطالعها لِموتِ رجالٍ عُظَماءَ من أهل الأرض. وإنهم قد كذَبوا، ولكنها آياتٌ من آيات الله ﵎، يعتبر بها عبادَه، فينظر من يُحْدِثُ له منهم توبةً. وَايْمُ الله، لقد رأيتُ منذ قمتُ أصلِّي ما أنتم لاقوه في أمر دنياكم وآخرتكم. وإنه واللهِ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا آخرُهم الأعورُ الدَّجَّالُ ممسوُح العين اليسرى، كأنها عينُ أبي يحيى٣ ــ لشيخ حينئذ من الأنصار
(١) أخرجه البخاري (٨٦) ومسلم (٩٠٥/ ١١) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق.
(٢) برقم (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب. وأخرجه مطولًا دون هذا التمام الشافعي كما في «معرفة السنن» (٥/ ١٤١) وابن أبي شيبة (٨٣٩٩، ٣٨٦٦٨) وأبو داود (١١٨٤) وابن خزيمة (١٣٩٧) وابن حبان (٢٨٥٦) والطبراني (٧/ ١٨٩ - ١٩١) والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) والبيهقي (٣/ ٣٣٩). ومدار الحديث على ثعلبة بن عباد العبدي، وهو مجهول.
(٣) هكذا في ت بالياء، وهو مهمل في الأصول الأخرى. وفي «المسند» بالتاء المكسورة وهو أشهر. وانظر للرواية بهما: «صحيح ابن خزيمة» (١٣٩٧).