قال: الموقن ــ فيقول: محمَّد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علِمنا إنْ كنتَ لَمؤمنًا. وأما المنافق ــ أو قال: المرتاب ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته»١.
وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل٢ أنه لمَّا سلَّم حمِد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبد الله ورسوله. ثم قال: «أيها الناس أنشُدكم بالله، إن كنتم تعلمون أني قصَّرتُ عن شيءٍ من تبليغ رسالات ربِّي لَمَا أخبرتموني ذلك؟». فقام رجالٌ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّك، ونصحتَ لأمتك، وقضيتَ الذي عليك. ثم قال: «أمَّا بعد، فإنَّ رجالًا يزعمون أنَّ كسوفَ هذه الشمس وكسوفَ هذا القمر وزوالَ هذه النجوم عن مطالعها لِموتِ رجالٍ عُظَماءَ من أهل الأرض. وإنهم قد كذَبوا، ولكنها آياتٌ من آيات الله ﵎، يعتبر بها عبادَه، فينظر من يُحْدِثُ له منهم توبةً. وَايْمُ الله، لقد رأيتُ منذ قمتُ أصلِّي ما أنتم لاقوه في أمر دنياكم وآخرتكم. وإنه واللهِ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا آخرُهم الأعورُ الدَّجَّالُ ممسوُح العين اليسرى، كأنها عينُ أبي يحيى٣ ــ لشيخ حينئذ من الأنصار
(١) أخرجه البخاري (٨٦) ومسلم (٩٠٥/ ١١) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق.
(٢) برقم (٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب. وأخرجه مطولًا دون هذا التمام الشافعي كما في «معرفة السنن» (٥/ ١٤١) وابن أبي شيبة (٨٣٩٩، ٣٨٦٦٨) وأبو داود (١١٨٤) وابن خزيمة (١٣٩٧) وابن حبان (٢٨٥٦) والطبراني (٧/ ١٨٩ - ١٩١) والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) والبيهقي (٣/ ٣٣٩). ومدار الحديث على ثعلبة بن عباد العبدي، وهو مجهول.
(٣) هكذا في ت بالياء، وهو مهمل في الأصول الأخرى. وفي «المسند» بالتاء المكسورة وهو أشهر. وانظر للرواية بهما: «صحيح ابن خزيمة» (١٣٩٧).
بينه وبين حجرة عائشة ــ، وإنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله. فمَن آمن به وصدَّقه واتَّبعه لم ينفعه صالحٌ من عمله سَلَفَ. ومَن كفر به وكذَّبه لم يعاقَب بشيءٍ من عمله سلَفَ.
وإنَّه سيظهر على الأرض كلِّها إلا الحرمَ وبيتَ المقدس، وإنه يحصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلزَلون زلزالًا شديدًا، ثم يُهلِكه الله ﷿ وجنودَه حتَّى إنَّ جِذْمَ الحائط ــ أو قال: أصلَ الحائط ــ وأصلَ الشجرة لَينادي: يا مؤمنُ، يا مسلمُ، هذا يهوديٌّ ــ أو قال: هذا كافرٌ ــ فتعالَ فاقتله». قال: «ولن يكون ذلك حتى ترَوا أمورًا يتفاقم شأنُها في أنفسكم وتسَّاءلون١ بينكم: هل كان نبيُّكم ذكَر لكم منها ذكرًا، وحتى تزول جبالٌ عن مراتبها. ثم على أثَر ذلك القبضُ».
فهذا الذي صح عنه من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنه صلَّاها على صفات أُخَر.
منها: كلُّ ركعة بثلاث ركوعات٢.
ومنها: كلُّ ركعة بأربع ركوعات٣.
ومنها: أنها كأحدَثِ٤ صلاةٍ صُلِّيت، كلُّ ركعة بركوع واحد٥. ولكنَّ
(١) هكذا ضبط في م بتشديد السين.
(٢) أخرجه مسلم (٩٠٤/ ١٠) وغيره من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) أخرجه مسلم (٩٠٨، ٩٠٩) من حديث ابن عباس، وقال: «عن علي مثل ذلك». وحديث علي أخرجه أحمد (١٢١٦) وابن خزيمة (١٣٨٨، ١٣٩٤) والبيهقي (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١)، فيه حَنَش بن المعتمر الكوفي، فيه لين، وقد تفرد بهذا الحديث عن علي. وسيأتي عند المؤلف كلام البيهقي على حديث ابن عباس.
(٤) في النسخ المطبوعة: «كإحدى»، تحريف.
(٥) أخرجه أحمد (٦٤٨٣، ٦٧٦٣، ٦٨٦٨) وأبو داود (١١٩٤) والترمذي في «الشمائل» (٣٢٥) وابن خزيمة (٩٠١، ١٣٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وفي بعض الطرق المذكورة روى عنه الثوري وشعبة وحماد بن سلمة، وهم ممن سمع منه قبل الاختلاط. وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٣٥٤).