كبار الأئمة لا يصحِّحون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي، ويرونه غلطًا.
قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضكم أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ثلاث ركعات في كلِّ ركعة. قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لِمَ لم تقل به أنت، وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في الركعة. قال: فقلت: هو من وجهٍ منقطعٍ، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجهٍ نراه ــ والله أعلم ــ غلطًا١.
قال البيهقي٢: أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير: «حدَّثني من أصدِّق قال عطاء: حَسِبتُه يريد عائشة» الحديث. وفيه: فركع في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات. وقال قتادة: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عنها: «ستَّ ركعات في أربع سجدات». فعطاءٌ إنما أسنده عن عائشة بالظنِّ والحُسْبان لا باليقين. وكيف يكون ذلك محفوظًا عن عائشة، وقد ثبت عن عروة وعَمْرة عن عائشة خلافُه، وعروة وعَمرة أخصُّ بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير؟ وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة.
قال٣: وأما الذي يراه الشافعيُّ غلطًا، فأحسَبه حديث عطاء عن جابر:
(١) أخرجها البيهقي في «معرفة السنن» (٥/ ١٤٥).
(٢) في «معرفة السنن» (٥/ ١٤٦) بتصرف.
(٣) «معرفة السنن» (٥/ ١٤٧ - ١٤٨).
«انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فقام النبيُّ ﷺ، فصلَّى بالناس ستَّ ركعات في أربع سجدات» الحديث.
قال البيهقي١: ومن نظر في قصّة هذا الحديث وقصّة حديث أبي الزبير علِمَ أنها قصَّة واحدة، وأنَّ الصلاة التي أخبر عنها إنما فعَلها مرَّةً واحدةً، وذلك في يوم توفِّي ابنُه إبراهيم.
قال٢: ثم وقع الخلاف بين عبد الملك ــ يعني ابن أبي سليمان ــ عن عطاء عن جابر، وبين هشام الدَّسْتَوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كلِّ ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى ــ يعني أنَّ في كلِّ ركعة ركوعين فقط ــ لكونه مع أبي الزبير أحفظَ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع روايةَ عروة وعمرة٣ عن عائشة، وروايةَ كثير بن عباس٤ وعطاء بن يسار عن ابن عباس، وروايةَ أبي سلَمة عن عبد الله بن عمرو، ثم روايةَ يحيى بن سُلَيم وغيره. وقد خولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير: ستَّ ركعات في أربع سجدات. فروايةُ هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف، ويوافقها عدد كثير= أولى من روايتي عطاء اللتين إنما أسند إحداهما
(١) «معرفة السنن» (٥/ ١٤٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ك: «عمرة وعروة»، وكذا في ع، فوضع بعضهم عليهما علامة التقديم والتأخير.