«انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فقام النبيُّ ﷺ، فصلَّى بالناس ستَّ ركعات في أربع سجدات» الحديث.
قال البيهقي١: ومن نظر في قصّة هذا الحديث وقصّة حديث أبي الزبير علِمَ أنها قصَّة واحدة، وأنَّ الصلاة التي أخبر عنها إنما فعَلها مرَّةً واحدةً، وذلك في يوم توفِّي ابنُه إبراهيم.
قال٢: ثم وقع الخلاف بين عبد الملك ــ يعني ابن أبي سليمان ــ عن عطاء عن جابر، وبين هشام الدَّسْتَوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كلِّ ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى ــ يعني أنَّ في كلِّ ركعة ركوعين فقط ــ لكونه مع أبي الزبير أحفظَ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع روايةَ عروة وعمرة٣ عن عائشة، وروايةَ كثير بن عباس٤ وعطاء بن يسار عن ابن عباس، وروايةَ أبي سلَمة عن عبد الله بن عمرو، ثم روايةَ يحيى بن سُلَيم وغيره. وقد خولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير: ستَّ ركعات في أربع سجدات. فروايةُ هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف، ويوافقها عدد كثير= أولى من روايتي عطاء اللتين إنما أسند إحداهما
(١) «معرفة السنن» (٥/ ١٤٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ك: «عمرة وعروة»، وكذا في ع، فوضع بعضهم عليهما علامة التقديم والتأخير.
(٤) ج: «عياش»، تصحيف.
بالتوهُّم، والأخرى ينفرد١ بها عنه عبدُ الملك بن أبي سليمان الذي قد أُخِذ عليه الغلطُ في غير حديث.
قال٢: وأما حديث حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه: «صلَّى في كسوف، فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، [ثم قرأ ثم ركع]٣، والأخرى مثلها» = فرواه مسلم في «صحيحه»٤. وهو مما ينفرد٥ به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقةً فكان يدلِّس، ولم يتبيَّن سماعه فيه من طاوس، فيشبه أن يكون حمَلَه عن غير موثوقٍ به٦، فقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان الأحول، فرواه عن طاوس عن ابن عباس من فعله ثلاث ركعات في ركعة. وقد خولف سليمان أيضًا في عدد الركوع، فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله، كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي ﷺ، يعني في كلِّ ركعة ركوعان.
قال٧: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث٨ فلم يُخرج شيئًا منهن في «الصحيح» لمخالفتهن ما هو أصحُّ
(١) هكذا في م، ن. وفي ص، ج: «يتفرد»، وفي غيرها أهمل ثانيه.
(٢) «معرفة السنن» (٥/ ١٤٩).
(٣) زيادة من مصدر النقل.
(٤) برقم (٩٠٨، ٩٠٩).
(٥) ج، ن: «يتفرَّد»، والمثبت من م، وكذا في مصدر النقل. وفي غيرهما أهمل ثانيه.