الوجه الثالث: أنَّه استسقى على منبر المدينة استسقاءً مجرَّدًا في غير يوم جمعة١، ولم يُحفَظ عنه في هذا الاستسقاء صلاة٢.
الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد، فرفع يديه، ودعا الله ﷿، فحُفِظ من دعائه حينئذ: «اللهم اسقِنا غيثًا٣ مَريعًا طَبَقًا، عاجلًا غيرَ رائثٍ، نافعًا غير ضار»٤.
(١) ما عدا ق، م، مب، ن: «الجمعة».
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٢٧٠) وأبو عوانة (٢٥١٦) والطبراني في «الدعاء» (٢١٩٥) و«المعجم الكبير» (١٢/ ١٣٠) والضياء المقدسي في «المختارة» (٩/ ٥٢٧، ٥٢٨) من طريقين عن عبد الله بن إدريس عن حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس مرفوعًا موصولًا. وإسناده ثقات غير أن حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وبه أعله الحافظ في «نتائج الأفكار» (٥/ ٩٩) والألباني في «الإرواء» (٢/ ١٤٥، ١٤٦). وقد أخرجه عبد الرزاق (٤٩٠٧) وابن أبي شيبة (٣٢٤٣١) من طريقين عن حبيب بن أبي ثابت مرسلًا. فالحديث أحرى به أن يكون مرسلًا، وهو الذي رجحه ابن رجب في «فتح الباري» له (٦/ ٢١٨). ويشهد للمرسل ما أخرجه ابن أبي شيبة (٨٤٢٨) بإسناد صحيح عن عطاء بن أبى مروان الأسلمى عن أبيه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب نستسقي، فما زاد على الاستغفار»، وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٨٤٢٩).
(٣) بعده في مب، ن زيادة: «مغيثًا». ولم ترد هذه الزيادة في «سنن ابن ماجه»، وهذا لفظه.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٣٥) وأحمد (١٨٠٦٢، ١٨٠٦٦) وعبد بن حميد (٣٧٢) وابن ماجه (١٢٦٩) والطبراني (٢٠/ ٣١٨، ٣١٩) والحاكم (١/ ٣٢٨، ٣٢٩) والبيهقي (٣/ ٣٥٥، ٣٥٦) من حديث كعب بن مرة أو مرة بن كعب الأسلمي. وفيه سالم بن أبي الجعد، لم يسمع من شرحبيل بن السمط. ويشهد له الحديث السابق. وله شاهد آخر من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه أبو داود (١١٦٩) وغيره، وإسناده صحيح، وقد أُعِلَّ بالإرسال. وهو أحسن شيء روي في الدعاء في الاستسقاء مرفوعًا، فيما قاله ابن عبد البر. وسيأتي قريبًا تخريجه بالتفصيل.
الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزَّيت قريبًا من الزوراء١، وهي خارجَ باب المسجد الذي يُدعى اليوم «بابَ السلام» نحو قَذْفةٍ بحجرٍ ينعطف٢ عن يمين الخارج من المسجد.
الوجه السادس: أنه استسقى في بعض غزواته لمَّا سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطشُ، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًّا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ، فقال: «أوَقد قالوها؟ عسى ربُّكم أن يسقيكم. ثم بسَط يديه، ودعا». فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلَّهم السَّحابُ وأُمطِروا، فأفعَمَ السَّيلُ الوادي فشِرب الناس، وارتوَوْا٣.
(١) أخرجه أحمد (٢١٩٤٤) وأبو داود (١١٦٨، ١١٧٢) من حديث عمير مولى آبي اللحم. وصححه ابن حبان (٨٧٨، ٨٧٩) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٣٣١). وأخرجه أيضًا أحمد (٢١٩٤٣) والترمذي (٥٥٧) والنسائي في «المجتبى» (١٥١٤) و«الكبرى» (١٨٣٣) من طريق آخر عن عمير مولى آبي اللحم عن آبي اللحم، وهو وهم، وكأن الترمذي استنكره. وانظر: تعليق محققي «المسند» (٢١٩٤٤).
(٢) ج: «تنعطف»، والمثبت من م. وفي غيرها أهمل حرف المضارع.
(٣) «السنن والأحكام» للضياء المقدسي (٢٤٣١). أخرجه أبو عوانة (٢٥١٤) من حديث عائشة بنت سعد عن أبيها سعد بن أبي وقاص، وبنحوه أخرج ابن أبي الدنيا في «المطر والرعد والبرق» (٦٦). وظنّه ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٦٦) أنه على شرط مسلم لإخراج أبي عوانة له في «صحيحه». ولكن قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (٣/ ١١٣٨): «فيه ألفاظ غريبة كثيرة، أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ»، وفيه شيخ أبي عوانة عبد الله بن محمد الأنصاري وهو البَلَوي المديني، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٩١): «قال الدارقطني: يضع الحديث. قلت: روى عنه أبو عوانة في «صحيحه» في الاستسقاء خبرًا موضوعًا». وقال الحافظ في «لسان الميزان» (٤/ ٥٦٣): «وهو صاحب رحلة الشافعي طوَّلها ونمَّقها وغالبُ ما أورده فيها مختلق»، وانظر أيضًا: «اللسان» (٧/ ٢٣٣) و«صحيح أبي عوانة» ط. الجامعة الإسلامية (٧/ ٦٣ - ٦٥).