وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظللن، وربَّ الأرَضين السَّبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما ذرَين، أسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها»١.
وذُكِر عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ إني أسألك من خير هذه٢ وخيرِ ما جمعتَ فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جمعتَ فيها. اللهمَّ ارزقنا جَناها، وأعِذْنا من وباها، وحبِّبنا إلى أهلها، وحبِّب صالحي أهلها إلينا»٣.
وكان يقصُر الرُّباعيَّة، فيصلِّيها ركعتين من حين يخرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في السفر البتة. وأما حديث
(١) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٧٧٥، ١٠٣٠١) وعنه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٥٢٩) من طريق مالك بن أبي عامر الأصبحي عن كعب الأحبار عن صهيب، وإسناده صحيح. وله طريق آخر عن كعب أخرجه النسائي (٨٧٧٦، ١٠٣٠٢) وابن خزيمة (٢٥٦٥) وابن حبان (٢٧٠٩) والطبراني في «الدعاء» (٨٣٨) و«المعجم الكبير» (٨/ ٣٣) وابن السني (ص ٤٧٢) والحاكم (١/ ٤٤٦، ٢/ ١٠٠) والبيهقي (٥/ ٢٥٢)، وفيه لين.
(٢) بعده في المطبوع زيادة: «القرية».
(٣) أخرجه ابن السني (ص ٤٧٤) من حديث عائشة، وإسناده غريب جدًّا وضعيف. ويغني عن شطره الأول الحديث السابق. ولشطره الأخير شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٨٣٥، ٨٣٦) و«المعجم الأوسط» (٤٧٥٥) من طريقين عن نافع عن ابن عمر، وفي أحدهما سعيد بن مسلمة الأموي، منكر الحديث؛ وفي الآخر مبارك بن حسان، ضعيف، وقال ابن عدي: «روى أشياء غير محفوظة». فالحديث ضعيف.
عائشة: أنَّ النبي ﷺ كان يقصُر في السفر ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم١، فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول٢: هو كذب على رسول الله ﷺ، انتهى.
وقد روي: «كان يقصُر وتُتِمُّ»، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك: «يفطر وتصوم». أي تأخذ هي بالعزيمة٣ في الموضعين. قال شيخنا٤: وهذا٥ باطل، ما كانت أمُّ المؤمنين لِتُخالفَ رسولَ الله ﷺ وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم. كيف والصحيح عنها: أنَّ الله فرض الصلاة ركعتين، فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر٦. فكيف يُظَنُّ بها مع ذلك أن تصلِّي بخلاف صلاة النبي٧ﷺ والمسلمين معه.
قلت: قد أتمَّت عائشة بعد موت النبي ﷺ، قال ابن عباس أو غيره: «إنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان٨، والنَّبيُّ ﷺ كان يقصُر دائمًا». فركَّب بعضُ الرواة من الحديثين حديثًا، وقال: كان رسول الله ﷺ يقصُر وتُتِمُّ هي، فغلِط
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٢٧١) والبزار (٦٨٢ - كشف الأستار)، وفيه المغيرة بن زياد، فيه لين. وله طرق أخرى سيأتي ذكرها بعد قليل.