ثم ساق٣ من طريق أبي بكر النيسابوري، عن عباس الدُّوري، أنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله٤ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدِمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرتُ. قال: «أحسنتِ يا عائشة».
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول٥: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلِّي بخلاف صلاة النبي٦ﷺ وسائرِ الصحابة، وهي تشاهدهم يقصُرون، ثم تُتِمُّ هي وحدها بلا موجِب. كيف وهي القائلة:
(١) في «السنن» عقب (٢٢٩٨).
(٢) ص، ج: «هذا» دون الواو قبله.
(٣) (٣/ ١٤٢)، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (١٤٥٦) و«الكبرى» (١٩٢٧) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٢٥٨) والدارقطني (٢٢٩٤)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. وقد أخرجه الدارقطني (٢٢٩٣) من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة، أخرجه أيضًا البيهقي (٣/ ١٤٢). قال الدارقطني عقب (٢٢٩٤): «الأول متصل (أي عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة) وهو إسناد حسن. وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق»، ولكن قال في «علله» (٣٦٠٧): «والمرسل أشبه بالصواب» أي دون واسطة الأسود، وبه قال أبو بكر النيسابوري فيما نقله عنه البيهقي (٣/ ١٤٢).
(٤) ج: «مع النبي».
(٥) سبق نحوه من قبل. وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٦) ك، ع: «رسول الله».
«فُرِضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر» فكيف يُظَنُّ بها أنها تزيد على ما فَرض الله، وتُخالِف رسولَ الله١ﷺ وأصحابَه؟
قال الزهري لعروة لما حدَّثه عن أبيه٢ عنها بذلك: فما شأنها كانت تُتِمُّ الصلاة؟ فقال: تأوَّلَتْ ما تأوَّلَ عثمان٣. فإذا كان النبيُّ ﷺ قد حسَّن فعلَها وأقرَّها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصحُّ أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير. وقد أخبر ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر٤ ولا عمر٥. أفيُظَنُّ بعائشة أمِّ المؤمنين مخالفتُهم وهي تراهم يقصُرون؟ وأما٦ بعد موته ﷺ فإنها أتمَّت كما أتمَّ عثمان، وكلاهما تأوَّل تأويلًا. والحُجّة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له. والله أعلم.
وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر٧: إنَّا نجد صلاة الحضر
(١) ما عدا ق، م: «فعل رسول الله».
(٢) كذا في جميع النسخ، وهو سهو. وقد ضرب بعضهم في ن على «لعروة»، وكتب فوقه: «لهشام» ليصحَّ «عن أبيه»، وهو غير صحيح، فإن الزهري رواه عن عروة عن عائشة، ثم سأل عروة لا هشام بن عروة.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدم أكثر من مرة.
(٤) ج، ك، ع: «أبا بكر».
(٥) أخرجه البخاري (١١٠٢) ومسلم (٦٨٩)، وقد تقدم، وسيأتي بعد حديثين.
(٦) ص: «أما» دون واو قبله.
(٧) «السنن والأحكام» (٢٠٩١). أخرجه أحمد (٥٦٨٣) والنسائي في «المجتبى» (١٤٣٤) و«الكبرى» (١٩٠٥) وابن ماجه (١٠٦٦) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٩٤) وابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ١٦٣) من طريق الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية بن عبد الله بن خالد به. والحديث صححه ابن خزيمة (٩٤٦) وابن حبان (١٤٥١، ٢٧٣٥) والحاكم (١/ ٢٥٨) والضياء في «المختارة» (١٣/ ١٣٨). وقد أخرجه مالك (٣٨٩) ــ ومن طريقه أحمد (٥٣٣٣) ــ من طريق ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عمر. وانظر «التمهيد» (١١/ ١٦١).