زاد المعاد

تأوُّله١ أن يكون الله تعالى ذكرُه لم يأذن لنبيِّه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِن له أن يُظهِر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده.

قال٢: ومما يبيِّن فساد تأويل ابن عيينة أيضًا: أنَّ الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون «الأَذَن» عند ابن عيينة بمعنى الإذْن الذي هو إطلاق وإباحة. فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه.

أما اللغة، فإنَّ «الأَذَن» مصدر قوله: أذِن فلانٌ لكلام فلان، فهو يأذَن له، إذا استمعَ له وأنصَت، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بمعنى سمعت لربِّها، وحُقَّ لها ذلك؛ كما قال عدي بن زيد:

إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأَذَنْ٣

يعني: في سماع واستماع. فمعنى قوله: «ما أذِنَ الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع٤ إلى نبيٍّ يتغنَّى بالقرآن.

وأما الإحالة في المعنى، فلأنَّ الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفُه بأنه مسموع ومأذون له. انتهى كلام الطبري.

  1. (١) ك، ع: «تأويله». وقد وقع في المطبوع من «شرح ابن بطال» عدة تصحيفات في هذا الموضع.
  2. (٢) «شرح ابن بطال» (١٠/ ٢٦٢).
  3. (٣) صدره: أيها القلب تعلَّلْ بدَدَنْ.
    وهو مطلع قصيدة له في «ديوانه» (ص ١٧٢). وهو في «غريب الحديث» لأبي عبيد (١/ ١٦٧) و«الغريب المصنف» له (٢/ ٢٤١ - نشرة صفوان داوودي) و«تفسير الطبري» (١٤/ ٢٣٤ - شاكر) و«معالم السنن للخطابي» (١/ ٢٩١) وغيره.
  4. (٤) ص، ج: «استمع الله».
624

قال أبو الحسن بن بطال١: وقد رفَع الإشكالَ في هذه المسألة أيضًا ما٢ رواه ابن أبي شيبة٣، حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثني موسى بن أبي رباح٤، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا٥ به، واكتبوه. فوالذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تفصِّيًا من المَخاض من العُقُل».

قال٦: وذكر عمر بن شبَّة٧ قال: ذُكِر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن

  1. (١) في «شرحه» (١٠/ ٢٦٣) بعد نقله كلام الطبري.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «وقع الإشكال ... بما». وهو من تصرف بعض النساخ بما أحال معنى الكلام عن وجهه إلى ضدِّه.
  3. (٣) برقم (٣٠٦١٣)، ومن طريقه ابن حبان (١١٩). وأخرجه أحمد (١٧٣١٧، ١٧٣٦١، ١٧٣٩٤) والدارمي (٣٣٩١، ٣٣٩٢) والحارث (٧٢٨ - بغية الباحث) والنسائي في «الكبرى» (٧٩٨٠، ٧٩٨١) والفريابي في «فضائل القرآن» (١٦٣) وأبو عوانة (٣٩٨٣، ٣٩٨٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٨١٥) من طرق عن علي بن رباح اللخمي عن عقبة بن عامر، والحديث صحيح. وله شاهد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجه مسلم (٧٩١) وأحمد (١٩٥٤٦) وغيرهما.
  4. (٤) كذا في جميع النسخ ولعله سهو. والصواب: «موسى بن علي بن رباح» كما في مصادر التخريج وطبعة الرسالة.
  5. (٥) غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «تغنَّوا».
  6. (٦) في «شرحه» (١٠/ ٢٥٩)، وعنه في «التوضيح» (٢٤/ ١٠٨) و«البدر المنير» (٩/ ٦٤٢) و«فتح الباري» (٩/ ٧١)، وتعقب ابن الملقن في «البدر المنير» أثر عبيد بن عمير فقال: «وقال ابن ناصر الحافظ: هذا ليس بصحيح عن داود ولا ثابت. قال: وهو ﵊ لا يحتاج إلى ذلك، إذ قد جعل الله صوته أحسن من المزمار».
  7. (٧) ما عدا ق، م: «عمرو بن شيبة»، تحريف.
625

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي