قال أبو الحسن بن بطال١: وقد رفَع الإشكالَ في هذه المسألة أيضًا ما٢ رواه ابن أبي شيبة٣، حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثني موسى بن أبي رباح٤، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا٥ به، واكتبوه. فوالذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تفصِّيًا من المَخاض من العُقُل».
قال٦: وذكر عمر بن شبَّة٧ قال: ذُكِر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن
(١) في «شرحه» (١٠/ ٢٦٣) بعد نقله كلام الطبري.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وقع الإشكال ... بما». وهو من تصرف بعض النساخ بما أحال معنى الكلام عن وجهه إلى ضدِّه.
(٣) برقم (٣٠٦١٣)، ومن طريقه ابن حبان (١١٩). وأخرجه أحمد (١٧٣١٧، ١٧٣٦١، ١٧٣٩٤) والدارمي (٣٣٩١، ٣٣٩٢) والحارث (٧٢٨ - بغية الباحث) والنسائي في «الكبرى» (٧٩٨٠، ٧٩٨١) والفريابي في «فضائل القرآن» (١٦٣) وأبو عوانة (٣٩٨٣، ٣٩٨٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٨١٥) من طرق عن علي بن رباح اللخمي عن عقبة بن عامر، والحديث صحيح. وله شاهد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجه مسلم (٧٩١) وأحمد (١٩٥٤٦) وغيرهما.
(٤) كذا في جميع النسخ ولعله سهو. والصواب: «موسى بن علي بن رباح» كما في مصادر التخريج وطبعة الرسالة.
(٥) غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «تغنَّوا».
(٦) في «شرحه» (١٠/ ٢٥٩)، وعنه في «التوضيح» (٢٤/ ١٠٨) و«البدر المنير» (٩/ ٦٤٢) و«فتح الباري» (٩/ ٧١)، وتعقب ابن الملقن في «البدر المنير» أثر عبيد بن عمير فقال: «وقال ابن ناصر الحافظ: هذا ليس بصحيح عن داود ولا ثابت. قال: وهو ﵊ لا يحتاج إلى ذلك، إذ قد جعل الله صوته أحسن من المزمار».
(٧) ما عدا ق، م: «عمرو بن شيبة»، تحريف.
عيينة في قوله: «يتغنَّى بالقرآن»: يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا. حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبيِّ الله ﷺ مِعْزَفةٌ يتغنَّى عليها، فيبكي ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلوِّن١ فيهن. ويقرأ قراءةً يطرب منها المحموم٢.
وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال٣: نحن أعلم بهذا. لو أراد الاستغناء لقال: «من لم يستغنِ بالقرآن»، ولكن لما قال: «يتغنَّ٤ بالقرآن» علمنا أنه أراد به التغنِّي.
قالوا: ولأنَّ تزيينَه وتحسينَ الصَّوت به والتطريبَ بقراءته أوقعُ في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذٌ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب؛ وذلك عون على المقصود. وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعَل في الدواء لتنفِّذه٥ إلى مواضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعَل في الطعام لتكون الطبيعة أعظمَ له قبولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح.
قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كلِّ محرَّم ومكروه بما هو خير لها منه،
(١) هكذا في م، ق مضبوطًا بالتشديد. وفي غيرهما: «يكون»، تصحيف.
(٢) هو المصاب بالحمَّى. وفي مب: «المجموع»، تحريف. ومنها في الميمنية وما بعدها: «الجموع»، تحريف أيضًا.
(٣) روى عنه البيهقي في «السنن الصغير» (٩٨٤)، والمؤلف صادر عن كتاب ابن بطال (١٠/ ٢٦٠).