زاد المعاد

وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ١ من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن أبي بكر٢ عن أبيه قال: كانت قراءة رسول الله ﷺ المدّ ليس فيها ترجيع.

قالوا: والترجيع والتطريب يتضمَّن: همز ما ليس بمهموز، ومدّ ما ليس بممدود، وترجيع الألف الواحدة ألفات، والواو واوات، والياء ياءات، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك غير جائز.

قالوا: ولا حدَّ لما يجوز من ذلك وما لا يجوز منه. فإن حُدَّ بحدٍّ معيَّن كان تحكُّمًا في كتاب الله ودينه، وإن لم يُحَدَّ بحَدٍّ أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديدَ٣ الأصوات، وكثرةَ الترجيعات، والتنوُّعَ في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء كما يفعل أهل الغناء بالأبيات، كما٤ يفعله كثيرٌ

  1. (١) ذكره عنه القرطبي في «تفسيره». وأخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة عمر بن موسى (٧/ ٣١١) والوليد بن القاسم الهمداني (١٠/ ٢٨١) والطبراني في «الأوسط» (٤٧٤٧). قال الدارقطني في «العلل» (٢٥٢٤): «وعمرو (كذا) بن موسى متروك، ولا يصح عن أبي بكرة». وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ١٩٧): «هو الوجيهي ...، منكر الحديث». وانظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٢٢٤) و«لسان الميزان» (٦/ ١٤٨ - ١٥١).
  2. (٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في ثلاث نسخ من النسخ الأربع التي حقق عنها تفسير القرطبي. والصواب: «أبي بكرة» كما في مصادر التخريج.
  3. (٣) ج: «به زيد»، تحريف طريف للفظ «ترديد»، وكذا كان في أختها ص ثم أصلح.
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «وكما». والذي زاد الواو توهَّم أن «كما» هذه معطوفة على «كما» السابقة.
630

من القرَّاء أمام الجنائز، ويفعله كثيرٌ من قرَّاء الأصوات، مما يتضمَّن تغييرَ كتاب الله والغناءَ به على نحو ألحان الشعر والغناء به، ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواءً، اجتراءً على الله وكتابه، وتلاعُبًا بالقرآن، وركونًا إلى تزيين الشيطان؛ ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام. ومعلوم أنَّ التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاءً قريبًا، فالمنعُ منه كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام.

فهذا نهاية أقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين.

وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين:

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي ﷺ: «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا»١. والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه٢ لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.

  1. (١) قد تقدم (ص ٦١٦).
  2. (٢) «وتستملحه» ساقط من مب وكذا من الطبعة الميمنية وما بعدها.
631

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي