زاد المعاد

وكان يرقي مَن به قُرْحة أو جُرْح أو شكوى، فيضع سبَّابته بالأرض، ثم يرفعها، ويقول: «بسم الله، تربةُ أرضنا بريقةِ بعضنا، يُشْفَى سقيمُنا١ بإذن ربِّنا». هذا في «الصحيحين»٢. وهو يُبطل اللفظة التي جاءت في حديث السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم الذين لا يرقُون ولا يسترقُون٣. فقوله في الحديث٤: «لا يرقُون»، غلط من الراوي. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك، قال٥: وإنما الحديث: «هم الذين لا يسترقُون»٦. قلت: وذلك لأنَّ هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاءَ وهو سؤال الناس أن يرقُوهم. ولهذا

  1. (١) في م، ق: «تشفي سقيمَنا». وفي غيرهما كما أثبتُّ، وكذا في «الصحيحين». وضبط في رواية أبي ذر عن الكشميهني: «يَشفي سقيمَنا». انظر: «إرشاد الساري» (٨/ ٣٩٣).
  2. (٢) البخاري (٥٧٤٥، ٥٧٤٦) ومسلم (٢١٩٤) من حديث عائشة الصديقة.
  3. (٣) مسلم (٢٢٠) من حديث بريدة بن حصيب الأسلمي.
  4. (٤) «في الحديث» ساقط من ص.
  5. (٥) وقد نقل المؤلف كلام شيخ الإسلام في «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١٤٨٢) أيضًا. وانظر نحوه في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣٦٧) و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٨٢، ٣٢٨).
  6. (٦) البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠/ ٣٧٥) ولم يسق لفظه.
635

قال: «وعلى ربِّهم يتوكلون»، فلكمال توكُّلهم على ربِّهم، وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به= لا يسألون الناس شيئًا، لا رقيةً ولا غيرها. ولا يحصل لهم طِيرَة تصُدُّهم عما يقصدونه، فإنَّ الطِّيَرة تنقص التوحيد وتُضْعِفه.

قال شيخنا: والراقي متصدِّق محسِن والمسترقي سائل. والنبيُّ ﷺ رقى ولم يستَرْقِ، وقال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه»١.

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في «الصحيحين»٢ عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمَع كفَّيه، ثم نفَث فيهما فقرأ (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، ثم يمسَح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ فيفعل ذلك ثلاث مرات. قالت عائشة: فلما اشتكى رسول الله ﷺ كان يأمرني أن أفعل ذلك به.

فالجواب: أنَّ هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ، أحدها هذا. والثاني: أنه ﷺ كان هو ينفث على نفسه٣. والثالث: قالت: كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه٤ لبركتها٥. وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى يقرأ على

  1. (١) أخرجه مسلم (٢١٩٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٠١٧، ٥٧٤٨). وأخرجه مسلم (٢١٩٢) من وجه آخر، ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إذا أوى إلى فراشه، بل إذا اشتكى هو ﷺ أو أحد من أهله.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٥، ٥٧٥١).
  4. (٤) ك، ع: «بيد نفسه». وفي ص، ج: «بيده على نفسه».
  5. (٥) أخرجه البخاري (٥٧٣٥) واللفظ له، ومسلم (٢١٩٢/ ٥٠).
636

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي