وهذه الألفاظ يفسِّر بعضها بعضًا. فكان ﷺ ينفث على نفسه، وضعفُه ووجعُه يمنعه من إمرار يده على جسده كلِّه، فكان يأمر عائشة ﵂ أن تُمِرَّ يده على جسده بعد نفثه هو. وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسحَ بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: «كان يأمرني أن أفعل ذلك به»٢، أي: أن أمسح جسده بيديه، كما كان هو يفعل.
ولم يكن من هديه ﷺ أن يخُصَّ يومًا من الأيام بعيادة المريض ولا وقتًا من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلًا ونهارًا، وفي سائر الأوقات. وفي «المسند»٣ عنه: «إذا عاد الرجلُ أخاه المسلمَ مشى في خُرْفة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة. فإن كان غدوةً صلَّى عليه سبعون ألفَ ملَك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلَّى عليه سبعون ألف ملَك٤ حتى يصبح».
(١) أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢/ ٥١).
(٢) البخاري (٥٧٤٨)، وقد تقدم آنفًا.
(٣) برقم (٦١٢)، وأخرجه ابن أبي شبية (١٠٩٤٠) وهناد بن السري في «الزهد» (٣٧٢) وأبو داود (٣٠٩٩) والترمذي (٩٩١) والنسائي في «الكبرى» (٧٤٥٢) وابن ماجه (١٤٤٢) والبيهقي (٣/ ٣٨٠) وغيرهم من طرق عن علي بن أبي طالب مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٩٧٦) وأبو داود (٣٠٩٨، ٣١٠٠) موقوفًا على علي، وهو الصواب كما رجح الدارقطني في «علله» (٣٩٨)، وهو في حكم المرفوع إذ لا يقال مثله من قِبَل الرأي.
(٤) «حتى يمسي ... ملك» سقط من ص لانتقال النظر.
وفي لفظ١: «ما من مسلمٍ يعود مسلمًا إلا ابتعث الله له سبعين ألفَ ملَك يصلُّون عليه أيَّ ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأيَّ ساعة من الليل كانت حتى يصبح».
وكان يعود من الرَّمَد وغيره٢.
وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول: «اللهمَّ اشْفِه»٣. وكان يمسح وجهه أيضًا.
وكان إذا أيِسَ من المريض قال: «إنَّا لله وإنا إليه راجعون»٤.
(١) أخرجه أحمد (٧٠٢) والترمذي (٩٦٩) وضعفه. وفيه ثوير بن أبي فاختة، ضعيف. وانظر التخريج السابق.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٣٤٨) والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٣٢) وأبو داود (٣١٠٢) والطبراني في «الكبير» (٥/ ١٩٠) و«الأوسط» (٥٩٥١) والحاكم (١/ ٣٤٢) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٣٨١) و«شعب الإيمان» (٨٧٥٧) وغيرهم من طرق عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن أرقم قصته. وسماع يونس عن أبيه بعد الاختلاط، به قال أبو زرعة، وكذلك ضعَّفه أحمد في أبيه. وله طرق أخرى عند أحمد (١٢٥٨٦، ١٢٦٣٦) والطبراني (٥/ ٢٠٤، ٢١٢) وغيرهما لا تخلو من مقال.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٥٩) ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص، وقد تقدم قريبًا.
(٤) أخرج مالك (٦٣٥) ومسلم (٩١٨) من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ علّم مَن أصابته مصيبة أن يقول كما أمره الله تعالى: «إنا لله وإنا إليه راجعون ...» وفيه قصة وفاة أبي سلمة.