الحديث قد قال فيه الأثرم١: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعةً، فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن الملائكة صلَّت على آدم، فكبَّرت٢ عليه أربعًا. فاستعظمه أبو عبد الله، وقال: أبو المليح كان أصحَّ حديثًا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا.
واحتجُّوا بما رواه البيهقي٣ من حديث عُتَيٍّ٤ عن أُبَيٍّ عن النبي ﷺ أنَّ الملائكة صلّت على آدم، فكبَّرت٥ عليه أربعًا، وقالت: هذه سنَّتكم يا
(١) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٤١).
(٢) مب: «لما صلَّت على آدم كبَّرت».
(٣) (٤/ ٣٦)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (٥٥١) وابن أبي شيبة (١١٠٢١) وعبد الله في «مسند أبيه» (٢١٢٤٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٠٠) والطبراني في «الأوسط» (٤٤٢٦، ٩٢٥٩) والدارقطني (١٨١٣ - ١٨١٥) والحاكم (١/ ٣٤٤) والبيهقي (٣/ ٤٠٤) والضياء في «المختارة» (٤/ ١٩، ٢٠) من طرق عن الحسن البصري على اختلاف عليه فيه، ففي بعض الطرق: عنه عن عُتي عن أُبي بن كعب مُسندًا مرفوعًا، وفي بعضها: عنه عن أُبيٍّ موقوفًا، وفي أخرى: عنه مرسلًا. ومدار الموقوف والمرفوع على عُتي بن ضَمْرة السعدي، وهو مجهول. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٨٧٢، ٣٠١٠). وانظر لتفصيل طرقه: تعليق محققي «المسند». وروي أيضًا عن الحسن عن أنس بن مالك موقوفًا عليه، أخرجه الدارقطني (١٨١٦) والحاكم (١/ ٣٨٥)، وفي إسناده محمد بن الوليد القلانسي أبو جعفر المخرمي، قال الدارقطني: ضعيف.
(٤) في ج: «غُنيّ». ويظهر أنَّ ص كان فيها: «عي» وفوقه: «كذا»، فغيَّره بعضهم إلى «يحيى» كما في النسخ الأخرى، وكلُّ ذلك تصحيف ما أثبت من مصادر التخريج.
(٥) مب: «لما صلتّ على آدم فكبَّرت».
بني آدم. وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعًا وموقوفًا.
وكان أصحاب معاذ يكبِّرون خمسًا. قال علقمة١: قلت لعبد الله: إنَّ ناسًا من أصحاب معاذ قدِموا من الشام، فكبَّروا على ميِّت لهم خمسًا. فقال عبد الله: «ليس على الميِّت في التكبير وقتٌ. كبِّر ما كبَّر الإمام، فإذا انصرَف الإمام فانصرِفْ».
فصل
وأما هديه ﷺ في التسليم من صلاة الجنازة، فروي عنه: أنه كان يسلِّم واحدةً، وروي عنه: أنه كان يسلِّم تسليمتين.
فروى البيهقي٢ وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدةً. لكن قال الإمام أحمد
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٤٠٣) وابن أبي شيبة (١١٥٦٩) والبيهقي (٤/ ٣٧) وابن حزم في «المحلى» (٥/ ١٢٦) وقال: «وهذا إسناد في غاية الصحة».
(٢) لم أجده عند البيهقي، وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٤١) بسنده عن الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: «رأيت من حديث محمد بن معاوية النيسابوري عن المخرِّمي عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً»، وقال: «وهذا عندي موضوع». وأخشى أن يكون المؤلف لما رأى البيهقي يقول في «معرفة السنن والآثار» (٥/ ٣٠٥): «وروِّينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه صلَّى على جنازة فكبَّر عليها أربعًا وسلَّم تسليمةً» ظنَّ أن المقصود حديث المقبري عن أبي هريرة ﵁، وإنما أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٤٣) من حديث أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (١١٦٢٠) والدارقطني (١٨١٧) والحاكم (١/ ٣٦٠). وأبو العنبس صدوق، ووالده لم أجد من تكلم فيه جرحًا ولا تعديلًا.