وكان أصحاب معاذ يكبِّرون خمسًا. قال علقمة١: قلت لعبد الله: إنَّ ناسًا من أصحاب معاذ قدِموا من الشام، فكبَّروا على ميِّت لهم خمسًا. فقال عبد الله: «ليس على الميِّت في التكبير وقتٌ. كبِّر ما كبَّر الإمام، فإذا انصرَف الإمام فانصرِفْ».
فصل
وأما هديه ﷺ في التسليم من صلاة الجنازة، فروي عنه: أنه كان يسلِّم واحدةً، وروي عنه: أنه كان يسلِّم تسليمتين.
فروى البيهقي٢ وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدةً. لكن قال الإمام أحمد
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٤٠٣) وابن أبي شيبة (١١٥٦٩) والبيهقي (٤/ ٣٧) وابن حزم في «المحلى» (٥/ ١٢٦) وقال: «وهذا إسناد في غاية الصحة».
(٢) لم أجده عند البيهقي، وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٤١) بسنده عن الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: «رأيت من حديث محمد بن معاوية النيسابوري عن المخرِّمي عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً»، وقال: «وهذا عندي موضوع». وأخشى أن يكون المؤلف لما رأى البيهقي يقول في «معرفة السنن والآثار» (٥/ ٣٠٥): «وروِّينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه صلَّى على جنازة فكبَّر عليها أربعًا وسلَّم تسليمةً» ظنَّ أن المقصود حديث المقبري عن أبي هريرة ﵁، وإنما أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٤٣) من حديث أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (١١٦٢٠) والدارقطني (١٨١٧) والحاكم (١/ ٣٦٠). وأبو العنبس صدوق، ووالده لم أجد من تكلم فيه جرحًا ولا تعديلًا.
في رواية الأثرم١: وهذا٢ عندي موضوع. ذكره الخلال في «العلل».
وقال إبراهيم الهَجَري: أمَّنا عبد الله بن أبي أوفى٣ على جنازة ابنته، فكبَّر أربعًا، فمكث ساعةً حتى ظننَّا أنه سيكبِّر خمسًا، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله. فلما انصرف قلنا له٤: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنَع رسول الله ﷺ٥.
وقال ابن مسعود٦: ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. ذكرهما البيهقي.
(١) أخرجه الخطيب مع الحديث المذكور.
(٢) الواو قبل «هذا» من ق، م، مب.
(٣) في النسخ المطبوعة: «حدثنا عبد الله بن أبي أوفى أنه صلَّى». وهو من تصرف بعض النساخ.
(٤) «له» ساقط من ص.
(٥) أخرجه البيهقي (٣/ ٤٣)، وفيه إبراهيم الهجري، فيه لين، يرفع الموقوفات. وفيه أيضًا محمد بن مسلمة الواسطي، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٩٠): «وفي حديثه مناكير بأسانيد واضحة»، وانظر: «لسان الميزان» (٧/ ٥٠٧ - ٥٠٩). والآفة منه في زيادة: «عن يمينه وعن شماله»، وهي ليست بمروية فيما روى أصحاب الهجري عنه؛ مثل الثوري [الحميدي (٧٣٥)] وشعبة [ابن الجعد (٦٢٦) والبزار (٣٣٥٥)] وأبي معاوية [ابن أبي شيبة (١١٥٥٨)] وعبد الرحمن المحاربي [ابن ماجه (١٥٠٣)] وشريك [«معاني الآثار» (١/ ٤٩٥) عن أبي نعيم عنه] وغيرهم.
(٦) أخرجه البيهقي (٤/ ٤٣) والطبراني (١٠/ ٨٢)، وفي إسناده يزيد بن خالد أبو عبد الرحمن، مجهول.