وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.
وقالت فرقة: لا تعارض بين هذه الآثار فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صلَّى عليه. ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، فقيل: لم يصلِّ عليه.
وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأنَّ معه زيادةَ علم، وإذا تعارض النفي والإثبات قُدِّم الإثبات. والله أعلم.
فصل
وكان من هديه ﷺ أنه لا يصلِّي على من قتل نفسه١ ولا على من غلَّ من الغنيمة٢.
واختُلِف عنه في الصلاة على المقتول حدًّا كالزاني المرجوم. فصحَّ عنه أنه صلّى على الجهنية التي رجمها، فقال له عمر: تصلِّي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ توبةً أفضلَ من أن جادت بنفسها لله؟». ذكره مسلم٣.
وذكر البخاري في «صحيحه»٤ قصة ماعز بن مالك، وقال: فقال له
(١) أخرجه مسلم (٩٧٨) من حديث جابر بن سمرة.
(٢) أخرج مالك (١٣٢٠) من حديث زيد بن خالد أنه ﷺ لم يصلِّ على مَن غلّ في غزاة خيبر.
(٣) برقم (١٦٩٦).
(٤) برقم (٦٨٢٠) من حديث جابر بن عبد الله.
النَّبيُّ ﷺ خيرًا، وصلّى عليه. وقد اختُلِف على الزهري في ذكر الصلاة عليه فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق فلم يذكروها١. وهُم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، ونوح بن حبيب، والحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرَّمادي.
قال البيهقي٢: وقول محمود بن غيلان: إنَّه صلَّى عليه خطأ، لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع٣ أصحاب الزهري على خلافه.
وقد اختُلِف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: «ما استغفر له، ولا سبَّه». وقال بُريدة بن الحصيب: إنه قال: «استغفِروا لماعز٤ بن مالك»، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. ذكرهما مسلم٥.
وقال جابر: «فصلَّى عليه»، ذكره البخاري٦، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل.
(١) وهو في «مصنفه» (١٣٣٣٧) المطبوع برواية الدبري بلفظ: «فقال النبي ﷺ خيرًا، ولم يصلِّ عليه».