أحدها: أنَّ هذا تشريع منه وسنَّة للأمة: الصلاة على كلِّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاصٌّ به، وليس ذلك لغيره. قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رُفِعَ له سريرُه، فصلَّى عليه وهو يراه صلاتَه على الحاضر المشاهَد وإن كان على مسافة من البعد. والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي ﷺ في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلِّي على كلِّ الغائبين غيره، وتركُه سنَّة كما أنَّ فعلَه سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفَع له حتى يصلِّي عليه، فعُلِم أنَّ ذلك مخصوص به٢.
وقد روي عنه أنَّه صلَّى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب٣. ولكن لا يصحُّ، فإنَّ في إسناده العلاء بن زيد ــ ويقال: ابن زيدَل ــ قال علي بن المديني٤: كان يضع الحديث. ورواه محبوب٥ بن هلال، عن
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٢٤٥) ومسلم (٩٥١).
(٤) انظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٩٩)، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٥٢٠): «منكر الحديث».
(٥) ج: «محمود»، تحريف.
عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس١. قال البخاري٢: لا يتابع عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية٣: الصواب أنَّ الغائب إن مات ببلد لم يصلَّ عليه فيه صُلِّي عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار، فلم يصلَّ عليه. وإن صُلِّي عليه حيث مات لم يصلَّ عليه صلاة الغائب، لأنَّ الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه. والنبيُّ ﷺ صلَّى على الغائب، وترك. وفعلُه سنَّة٤، وتركُه سنَّة. وهذا له موضع، وهذا له موضع. والله أعلم.
فالأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل. والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقًا٥.
فصل
وصحَّ عنه ﷺ أنه قام للجنازة لما مرَّت به، وأمَر بالقيام لها٦. وصحَّ
(١) أخرجه من هذا الطريق أبو يعلى (٤٢٦٨) وابن ضريس في «فضائل القرآن» (٢٧١) والطبراني (١٩/ ٤٢٨) والبيهقي (٤/ ٥١).
(٢) أسنده ابن عدي في «الكامل» في أول ترجمة محبوب (١٠/ ٦٤) وعنه البيهقي (٤/ ٥١). وانظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤٤٢).
(٣) انظر: «جامع المسائل» (٦/ ١٧٧).
(٤) لفظ «سنة» ساقط من المطبوع.
(٥) انظر: «الفروع» (٣/ ٣٥٣) و«الإنصاف» (٢/ ٥٣٣).
(٦) أخرجه البخاري (١٣٠٧) ومسلم (٩٥٨) من حديث عامر بن ربيعة. وأخرجاه أيضًا من حديث أبي سعيد: البخاري (١٣١٠) ومسلم (٩٥٩).