وتارةً بالهدية١، وتارةً يَشتري٢ الشيء ثم يعطي البائع الثمنَ والسِّلْعةَ جميعًا، كما فعل بجابر٣٤. وتارةً كان يقترض الشيءَ فيردُّ أكثرَ منه وأفضلَ٥، ويشتري الشيءَ فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهديةَ ويكافئ عليها بأكثَر منها أو بأضعافها، تلطُّفًا وتنوُّعًا٦ في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن.
وكانت صدقتُه وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيُخرِج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشَّحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصَحِبَه ورأى هديَه لا يملك نفسه عن السماحة والنَّدى.
وكان هديه يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرحَ الخَلْق٧ صدرًا، وأطيبَهم نفسًا، وأنعمَهم قلبًا، فإن للصدقة وفِعْل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر، فانضاف٨ ذلك إلى ما خصَّه الله به من شَرْحِ صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها، وشَرْحِ صدره حسًّا وإخراجِ حظِّ٩ الشيطان منه.
(١) ص: «بالهبة».
(٢) ق، ب، م، مب: «بشراء». والمثبت من بقية النسخ.
(٣) في المطبوع: «ببعير جابر». والمثبت من النسخ.
(٤) رواه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٣/ ١٢٢١، ١٢٢٢، رقم ١١٠).
(٥) بعدها في المطبوع: «وأكبر». وليست في النسخ.
(٦) بعدها في ج: «وإحسانًا». وليست في بقية النسخ.
(٧) ص: «الناس».
(٨) ق، ب، م، مب: «ويضاف».
(٩) ص: «حض»، خطأ.
فصل
في أسباب شرح الصَّدر وحصولها على الكمال له - ﷺ -
فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراحُ صدر صاحبه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾[الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾[الأنعام: ١٢٥]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضِيق الصدر وانحراجه.
ومنها: النور الذي يَقْذِفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يَشرح الصدر ويُوسِّعه ويُفرح القلب. فإذا فُقِد هذا النور من القلب١ ضاقَ وحرِجَ، وصار في أضيقِ سجنٍ وأصعبِه.
وقد روى الترمذي في «جامعه»٢ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل النور القلبَ انفسحَ وانشرحَ». قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتَّجافِي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».
(١) في المطبوع: «قلب العبد». والمثبت من النسخ.
(٢) لم أجده فيه، وقد رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٥٤٠) من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف جدًّا، ورُوي أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، ومن حديث الحسن البصري وأبي جعفر المدائني مرسلًا. وقد أطال الألباني الكلام عليه في «الضعيفة» (٩٦٥). وانظر: «علل الدارقطني» (٥/ ١٨٩) و«العلل المتناهية» (٢/ ٣١٨).