فنصيبُ١ العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية، هذا يشرح٢ الصدر وهذه تُضيِّقه.
ومنها: العلم، فإنه٣ يشرح الصدر، ويُوسِّعه حتى يكون أوسعَ من الدنيا، والجهل يُورِثُه الضِّيقَ والحَصَرَ والحَبْس، فكلَّما اتَّسعَ علم العبد انشرح صدره واتَّسعَ، وليس هذا لكلِّ علمٍ، بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ، وهو العلم النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدورًا٤، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا.
ومنها: الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شيءَ أشرحُ لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحيانًا: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحال فإني إذًا في عيشٍ طيِّب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراحِ الصدر وطيبِ النفس ونعيمِ القلب، لا يعرفه إلا من له حسٌّ به، وكلَّما كانت المحبة أقوى وأشدَّ كان الصدر أفسحَ وأشرحَ، ولا يضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قَذَى عينهِ، ومخالطتُهم حُمَّى روحِه.
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله، وتعلُّق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبةُ سواه؛ فإن من أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّب به وسُجِن قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسفُ بالًا، ولا أنكدُ عيشًا، ولا أتعبُ قلبًا.
(١) ق، ب، ص، م، مب: «فيصيب». والمثبت من بقية النسخ.
(٢) ق، ب، م، مب: «هذه تشرح». والمثبت من بقية النسخ.
(٣) «فإنه» ليست في ص.
(٤) في المطبوع: «صدرًا». والمثبت من النسخ.
فهما محبَّتان: محبةٌ هي جنّة الدنيا، وسرورُ النفس١، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقُرَّةُ عينها، وهي محبَّةُ الله وحدَه بكلِّ القلب، وانجذابِ قُوى الميل والإرادة والمحبة كلِّها إليه. ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغَمُّ النفس، وسجنُ القلب، وضِيق الصَّدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه.
ومن أسباب شَرْح الصدر: دوامُ ذكره على كلِّ حالٍ وفي كلِّ موطنٍ، فللذِّكر تأثيرٌ عجيب في انشراحِ الصدر ونعيمِ القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضِيْقه وحَبْسِه وعذابِه.
ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفْعُهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ النَّاس صدرًا وأطيبُهم نفسًا وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسانٌ أضيقُ الناس صدرًا وأنكدُهم عيشًا وأعظمُهم غمًّا وهمًّا. وقد ضربَ رسول الله ﷺ٢ مثلَ البخيل والمتصدِّق٣ كمثل رجلين عليهما جُبَّتانِ٤ من حديدٍ، كلَّما هَمَّ٥ المتصدِّق بصدقةٍ اتسعتْ عليه وانبسطتْ، حتى تُجِنَّ بَنَانَه٦ وتُعفِّيَ أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصدقة لزِمتْ كلُّ حَلْقةٍ مكانَها، ولم تتَّسعْ عليه.
(١) بعدها في ص: «ولذة العيش». وليست في بقية النسخ.
(٢) بعدها في المطبوع: «في الصحيح». وليست في النسخ.
(٣) رواه البخاري (١٤٤٣، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧) ومسلم (١٠٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في المطبوع: «جُنَّتان». والمثبت من النسخ. والرواية بالوجهين.
(٥) ج، ص، ع: «تَصدَّق». والمثبت من بقية النسخ.
(٦) في المطبوع: «يجرّ ثيابه»، تحريف، وهو خلاف النسخ والرواية.