لمَّا١ كان المقصود من الصِّيام حَبْسَ النَّفس عن الشَّهوات، وفِطامها عن المألوفات، وتعديل قوَّتها الشَّهوانيَّة، لتستعدَّ لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبولِ ما تزكو٢ به ممَّا فيه حياتها الأبديَّة، ويكسر الجوع والظَّمأ من حدَّتها وسَوْرتها، ويذكِّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويُضيِّق٣ مجاريَ الشَّيطان من العبد بتضييق مجاري الطَّعام والشَّراب، ويَحْبِس٤ قوى الأعضاء عن استرسالها بحكم الطَّبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسكِّن كلَّ عضوٍ منها وكلَّ قوَّةٍ عن جماحه ويلتجم٥ بلجامه. فهو لِجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائر الأعمال، فإنَّ الصَّائم لا يفعل شيئًا، وإنَّما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النَّفس وملذوذاتها٦ إيثارًا لمحبَّة الله ومرضاته، فهو سرٌّ بين العبد وبين الله لا يطَّلع عليه سواه، والعباد٧ قد يطَّلعون منه على تركه٨ المفطراتِ الظَّاهرة، وأمَّا
(١) جواب (لما) لم يأتِ صراحةً، وهو مفهوم مما ذُكر في وصف الصيام وآثاره.
(٢) ج، ع: «تذكر»، تحريف.
(٣) في المطبوع: «وتضيق». ع، م، مب: «تضييق». والمثبت من بقية النسخ.
(٤) في المطبوع: «وتحبس». والمثبت من الأصول.
(٥) في المطبوع: «وتلجم» خلاف النسخ.
(٦) في المطبوع: «وتلذذاتها» خلاف النسخ.
(٧) ص، ج، ع: «إذ العباد». والمثبت من ق، ك.
(٨) في المطبوع: «ترك». والمثبت من الأصول.
كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فأمرٌ١ لا يطَّلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصَّوم.
وللصيام تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظَّاهرة والقوى الباطنة، وحِمْيتها عن التَّخليط الجالب لها الموادَّ الفاسدة الَّتي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ الموادِّ الرَّديئة المانعة لها٢ من صحَّتها، فالصَّوم يحفظ على القلب٣ والجوارح صحَّتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشَّهوات، فهو من أكبر العونِ على التَّقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: ١٨٣].
وقال النَّبيُّ ﷺ: «الصَّوم جُنَّةٌ»٤.
وأمر من اشتدَّت به شهوة النِّكاح ولا قدرةَ له عليه بالصِّيام، وجعلَه وِجاءَ هذه الشَّهوة٥.
والمقصود أنَّ مصالح الصَّوم لمَّا كانت مشهودةً بالعقول السَّليمة والفِطَر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم٦، وإحسانًا إليهم، وحميةً
(١) في المطبوع: «فهو أمر». والمثبت من الأصول.
(٢) في النسخ: «له». والمثبت من المطبوع يقتضيه السياق.
(٣) ع: «القلوب».
(٤) رواه البخاري (٧٤٩٢) ومسلم (١١٥١/ ١٦٢) من حديث أبي هريرة﵁ -، واللفظ للبخاري.
(٥) رواه البخاري (٥٠٦٦) ومسلم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ .