وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نهاهم عن الوصال فأبَوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا، ثمَّ يومًا٣، ثمَّ رأوا الهلال فقال: «لو تأخَّر الهلال لزدتُكم» كالمنكِّل لهم حين أبَوا أن ينتهوا عن الوصال٤.
وفي لفظٍ آخر٥: «لو مُدَّ لنا الشَّهر لواصَلْنا وِصالًا يَدَعُ المتعمِّقون تعمُّقهم، إنِّي لستُ مثلكم»، أو قال: «إنَّكم لستم مثلي، إنِّي أظلُّ يُطعِمني ربِّي ويسقيني». فأخبر أنَّه يُطعَم ويسقى مع كونه مواصلًا، وقد فعل فعْلَهم منكِّلًا بهم معجِّزًا لهم٦، فلو كان يأكل ويشرب لما كان في ذلك تنكيلٌ٧ ولا تعجيزٌ، بل ولا وصالٌ، وهذا بحمد الله واضحٌ.
وقد نهى ﷺ عن الوصال رحمةً بالأمَّة، وأذن فيه إلى السَّحر، ففي «صحيح البخاريِّ»٨ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا تُواصِلوا، فأيُّكم أراد أن يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحر».
(١) عند البخاري (٧٢٤١) ومسلم (١١٠٤/ ٦٠).
(٢) «وفي الصحيحين مثله ... ويسقيني» ساقطة من ق، م، مب والمطبوع.
(٣) بعدها في ج: «ثم يومًا». وليست في بقية النسخ و«الصحيحين».
(٤) رواه البخاري (٧٢٤٢) ومسلم (١١٠٣/ ٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه مسلم (١١٠٤/ ٦٠) من حديث أنس ﵁ .
(٦) «لهم» ليست في ق.
(٧) في بعض النسخ: «تنكيلًا» و«تعجيزًا» و«وصالًا». والمثبت من ك. أما المطبوع فليس فيه «في»، وهي مثبتة في جميع النسخ.
(٨) برقم (١٩٦٣، ١٩٦٧).
فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهل الوصال جائزٌ أو محرَّمٌ أو مكروهٌ؟
قيل: قد اختلف النَّاس في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه جائزٌ لمن١ قدر عليه، وهذا يُروى عن عبد الله بن الزبير٢ وغيره من السَّلف٣، وكان ابن الزبير يواصل الأيَّام. ومن حجَّة أرباب هذا القول أنَّ النَّبيَّ ﷺ واصل بالصَّحابة مع نهيه لهم عن الوصال، كما في «الصَّحيحين»٤ من حديث أبي هريرة: أنَّه نهى عن الوصال وقال: «إنِّي لستُ كهيئتكم»، فلمَّا أبوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا ثمَّ يومًا٥. فهذا فيه وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال، فلو كان النَّهي للتَّحريم لما أبوا أن ينتهوا، ولَمَا أقرَّهم عليه بعد ذلك.
قالوا: فلمَّا فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويُقِرُّهم، عُلِم أنَّه أراد الرَّحمة بهم والتَّخفيف عنهم، وقد قالت عائشة: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمةً لهم». متَّفقٌ عليه٦.
وقالت طائفةٌ أخرى: لا يجوز الوصال، منهم مالك وأبو حنيفة
(١) ق، م، مب: «إن».
(٢) روى ابن أبي شيبة (٩٦٩٢) عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: «دخلت على ابن الزبير صبيحة خمسة عشر من الشهر، وهو مواصل». رجاله كلهم ثقات.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٩٦٩٠، ٩٦٩١).
(٤) ليس فيهما، بل هو عند مالك (٨٢٨) ومن طريقه عند الشافعي كما في «معرفة السنن» (٦/ ٣٤٤).
(٥) بعدها في ص، ق، ع، ج، م، مب: «ثم يومًا». وليست في ك و«الصحيحين».