والشَّافعيُّ والثَّوريُّ. قال ابن عبد البرِّ١ ــ وقد حكاه عنهم ــ: إنَّهم لم يجيزوه لأحدٍ٢.
قلت: الشَّافعيُّ نصَّ على كراهته٣، واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريمٍ أو تنزيهٍ؟ على وجهين، واحتجَّ المحرِّمون بنهي النَّبيِّ ﷺ، قالوا: والنَّهي يقتضي التَّحريم.
قالوا: وقول عائشة: «رحمةً لهم» لا يمنع أن يكون للتَّحريم، بل يؤكِّده، فإنَّ من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمَّة رحمةٌ وحميةٌ٤ وصيانةٌ.
قالوا: وأمَّا مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم، وبيانِ الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة الَّتي نهاهم لأجلها لهم، فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النَّهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له، فإنَّهم إذا ظهر لهم ما في٥ الوصال وأحسُّوا منه بالملل في العبادة والتَّقصير فيما هو أهمُّ وأرجح من وظائف الدِّين: من القوَّة في أمر اللَّه، والخشوع في فرائضه، والإتيان بحقوقها الظَّاهرة والباطنة، والجوع الشَّديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه= تبيَّن لهم
(١) في «التمهيد» (١٤/ ٣٦٣).
(٢) «لأحد» ليست في ع.
(٣) في «مختصر المزني» (ص ٥٩).
(٤) «وحمية» ليست في ك، ج، ع.
(٥) ج، ع، مب: «مفسدة» بدل «ما في».
حكمة النَّهي عن الوصال، والمفسدة الَّتي فيه لهم دونه ﷺ.
قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الرَّاجحة بأعظم من إقرار١ الأعرابيِّ على البول في مسجده٢ لمصلحة التَّأليف، ولئلَّا ينفِر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصَّلاة الَّتي أخبر ﷺ أنَّها ليست صلاةً٣، وأنَّ فاعلها غير مصلٍّ، بل هي صلاةٌ باطلةٌ في دينه، فأقرَّه عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنَّه أبلغ في التَّعليم والتَّعلُّم.
قالوا: وقد قال ﷺ: «إذا أمرتُكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه»٤.
قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الوصال من خصائصه، فقال: «إنِّي لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لم يكن من خصائصه.
قالوا: وفي «الصَّحيحين»٥ من حديث عمر بن الخطَّاب قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقبل اللَّيلُ من هاهنا، وأدبر النَّهار من هاهنا٦، وغَرَبتِ الشَّمس، فقد أفطر الصَّائم». وفي «الصَّحيحين» نحوه٧ من حديث
(١) ك: «إقراره».
(٢) رواه البخاري (٦٠٢٥) ومسلم (٢٨٤/ ٩٨) من حديث أنس ﵁ .
(٣) ع: «بصلاة».
(٤) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧/ ١٣٠) من حديث أبي هريرة ﵁ .
(٥) رواه البخاري (١٩٥٤) ومسلم (١١٠٠).
(٦) «وأدبر النهار من هاهنا» ليست في ق، م، مب. وشطب عليها في ص. والمثبت من بقية النسخ موافق لما في البخاري.