أتعجَّل في صوم رمضان بيومٍ أحبُّ إليَّ من أن أتأخَّر، لأنِّي إذا تعجَّلتُ لم يفُتْني، وإذا تأخَّرتُ فاتَني١.
وأمَّا الرِّواية عن عائشة، فقال سعيد بن منصورٍ٢: ثنا أبو عوانة، عن يزيد بن خُمَير، عن الرَّسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يومًا من رمضان.
وأمَّا الرِّواية عن أسماء بنت أبي بكر، فقال سعيد أيضًا٣: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غُمَّ هلال رمضان إلا كانت أسماء تتقدَّمه٤ بيوم وتأمر بتقدُّمه.
وقال أحمد٥: ثنا رَوْح بن عُبادة٦، عن حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء أنَّها كانت تصوم اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان.
وكلُّ ما ذكرناه عن أحمد فمن مسائل الفضل بن زياد عنه٧. وقد قال في رواية الأثرم: إذا كان في السَّماء سحابةٌ أو علَّةٌ أصبح صائمًا، وإن لم يكن
(١) ذكره ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٥٥).
(٢) رواه ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٥٥). ورواه أحمد (٢٤٩٤٥) من طريق شعبة عن يزيد بن خمير، وصححه الألباني في «الإرواء» (٤/ ١١).
(٣) رواه ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٥٦).
(٤) في المطبوع: «متقدمة» خلاف النسخ.
(٥) رواه البيهقي (٤/ ٢١١)، وذكره ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٥٦).
(٦) في المطبوع: «عباد»، خطأ.
(٧) انظر: «درء اللوم والضيم» (ص ٥٦).
في السَّماء علَّةٌ أصبح مفطرًا. وكذلك نقل عنه ابناه صالح وعبد الله، والمرُّوذي١، والفضل بن زياد، وغيرهم٢.
فالجواب٣ من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصَّحابة أثرٌ صريحٌ٤ في وجوب صومه حتَّى يكون فعلهم مخالفًا لهدي رسول الله ﷺ٥، وإنَّما غاية المنقول عنهم صومه احتياطًا، وقد صرَّح أنس بأنَّه إنَّما صامه كراهةً للخلاف على الأمراء، ولهذا قال أحمد في روايةٍ: النَّاس تبعٌ للإمام في صومه وإفطاره٦. والنُّصوص الَّتي حكيناها عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله آنفًا٧ تدلُّ على أنَّه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدلُّ على تحريمه، فمن أفطره فقد أخذ بالجواز، ومن صامه أخذ بالاحتياط.
الثَّاني: أنَّ الصَّحابة قد كان بعضهم يصومه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصومه، وأصحُّ وأصرح من رُوي عنه صومه عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البرِّ٨: وإلى قوله ذهب طاوس اليماني٩ وأحمد بن حنبلٍ، وروي مثل