زاد المعاد

ويدلُّ على أنَّهم إنَّما صاموه استحبابًا وتحرِّيًا ما روي عنهم من فطره بيانًا للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في «مسائله»١: حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمتُ السَّنة كلَّها لأفطرتُ اليوم الذي يُشَكُّ فيه٢.

قال حنبل: وحدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، ثنا عَبِيدة بن حُميدٍ قال: أخبرني عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر، قالوا: نسبق قبل رمضان حتَّى لا يفوتنا منه شيءٌ؟ فقال: أفٍّ أفٍّ، صوموا مع الجماعة٣.

وقد صحَّ عن عمر٤ أنَّه قال: «لا يتقدَّمنَّ الشَّهرَ منكم أحدٌ». وصحَّ عنه٥ أنَّه قال: «صوموا لرؤية الهلال٦، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين يومًا»٧.

وكذلك قال عليُّ بن أبي طالبٍ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العدَّة»٨.

  1. (١) نقله عنه ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٦٣).
  2. (٢) ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٩٥٨٤).
  3. (٣) رواه ابن الجوزي في «درء اللوم والضيم» (ص ٦٤).
  4. (٤) في المطبوع: «ابن عمر»، خطأ.
  5. (٥) في المطبوع: «عنه ﷺ». والمقصود هنا المأثور عن عمر ﵁.
  6. (٦) ج، ع: «لرؤيته».
  7. (٧) كلاهما مخرجان في سياق واحدٍ عند عبد الرزاق (٧٧٤٨) والبيهقي (٤/ ٢٠٨).
  8. (٨) رواه البيهقي (٤/ ٢٠٩). وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني متكلم فيه.
62

وقال ابن مسعودٍ: «فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين»١.

فهذه الآثار إن قُدِّر أنَّها معارضةٌ لتلك الآثار الَّتي رُوِيت٢ عنهم في الصَّوم فهذه أولى لموافقتها النُّصوصَ المرفوعة لفظًا ومعنًى، وإن قُدِّر أنَّها لا تعارضَ بينها فهاهنا طريقان في٣ الجمع:

أحدهما: حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشَّهر، كما فعله الموجبون للصيام.

والثاني: حمل آثار الصَّوم عنهم على التَّحرِّي والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثار صريحةٌ في نفي الوجوب. وهذه الطريق أقرب إلى موافقة النُّصوص وقواعد الشَّرع، وفيها السَّلامة من التَّفريق بين يومين متساويين في الشَّكِّ، فيجعل أحدهما يوم شكٍّ، والثَّاني يوم يقينٍ، مع حصول الشَّكِّ فيه قطعًا، وتكليفِ٤ العبد اعتقادَ كونه من رمضان قطعًا، مع شكِّه هل هو منه أم لا؟ ولا٥ تكليفَ بما لا يُطاق، وتفريقَ بين متماثلينِ.

فصل

وكان من هديه أمرُ النَّاس بالصَّوم بشهادة الرَّجل الواحد المسلم، وخروجهم منه بشهادة اثنين.

  1. (١) رواه ابن أبي شيبة (٩١١٤).
  2. (٢) ص: «رويتم».
  3. (٣) ق، مب: «بين».
  4. (٤) «وتكليف» عطف على «التفريق» كما يدل عليه السياق، وليس بداية جملة. وفي ص، ج، ع: «فتكليف».
  5. (٥) «ولا» ليست في المطبوع.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي