وقال ابن مسعودٍ: «فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين»١.
فهذه الآثار إن قُدِّر أنَّها معارضةٌ لتلك الآثار الَّتي رُوِيت٢ عنهم في الصَّوم فهذه أولى لموافقتها النُّصوصَ المرفوعة لفظًا ومعنًى، وإن قُدِّر أنَّها لا تعارضَ بينها فهاهنا طريقان في٣ الجمع:
أحدهما: حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشَّهر، كما فعله الموجبون للصيام.
والثاني: حمل آثار الصَّوم عنهم على التَّحرِّي والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثار صريحةٌ في نفي الوجوب. وهذه الطريق أقرب إلى موافقة النُّصوص وقواعد الشَّرع، وفيها السَّلامة من التَّفريق بين يومين متساويين في الشَّكِّ، فيجعل أحدهما يوم شكٍّ، والثَّاني يوم يقينٍ، مع حصول الشَّكِّ فيه قطعًا، وتكليفِ٤ العبد اعتقادَ كونه من رمضان قطعًا، مع شكِّه هل هو منه أم لا؟ ولا٥ تكليفَ بما لا يُطاق، وتفريقَ بين متماثلينِ.
فصل
وكان من هديه أمرُ النَّاس بالصَّوم بشهادة الرَّجل الواحد المسلم، وخروجهم منه بشهادة اثنين.
(١) رواه ابن أبي شيبة (٩١١٤).
(٢) ص: «رويتم».
(٣) ق، مب: «بين».
(٤) «وتكليف» عطف على «التفريق» كما يدل عليه السياق، وليس بداية جملة. وفي ص، ج، ع: «فتكليف».
(٥) «ولا» ليست في المطبوع.
وكان من هديه إذا شهد الشَّاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يفطر ويأمرهم بالفطر، ويُصلِّي العيد من الغد في وقتها١.
وكان يعجِّل الفطر ويحضُّ عليه٢، ويتسحَّر ويحثُّ على السُّحور٣، ويؤخِّره٤ ويرغِّب في تأخيره٥.
وكان يحضُّ على الفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء، وهذا من كمال شفقته على أمَّته ونصحهم، فإنَّ إعطاء الطَّبيعة الشَّيءَ الحلوَ مع خلوِّ المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيَّما القوَّة الباصرة، فإنَّها تقوى به٦، وحلاوة المدينة التَّمر، ومَرباهم عليه، وهو عندهم قُوتٌ وأُدْمٌ، ورُطَبه فاكهةٌ.
وأمَّا الماء فإنَّ الكبد يحصل لها بالصَّوم نوعُ يبسٍ، فإذا رُطِّبت بالماء
(١) رواه أحمد (١٨٨٢٤، ٢٣٠٦٩) وأبو داود (٢٣٣٩) من طريق ربعي بن حراش عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وصححه الدارقطني (٢٢٠٢).
(٢) رواه البخاري (١٩٥٧) ومسلم (١٠٩٨) من حديث سهل ﵁ . و«يحض عليه» ليست في ق، ك.
(٣) رواه البخاري (١٩٢٣) ومسلم (١٠٩٥) من حديث أنس ﵁ .
(٤) رواه البخاري (١٩٢١) من حديث زيد بن ثابت ﵁ .
(٥) رواه أحمد (٢١٣١٢، ٢١٥٠٧) من حديث أبي ذر ﵁ . وفي إسناده ابن لهيعة متكلم فيه، وسليمان بن أبي عثمان، قال فيه أبو حاتم: «مجهول»، وقال الدارقطني: «متروك». انظر: «سؤالات البرقاني» (١٩٤) و«الجرح والتعديل» (٤/ ١٣٤) و«الإرواء» (٤/ ٣٢).