وأمَّا صيام ستَّة أيَّامٍ من شوَّالٍ فصحَّ عنه أنَّ صيامها مع رمضان يَعدِل صيامَ الدَّهر١.
وأمَّا صيام٢ يوم عاشوراء فإنَّه كان يتحرَّى صومه على سائر الأيَّام، ولمَّا قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظِّمه، فقال: «نحنُ أحقُّ بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه٣، وذلك قبل فرض رمضان، فلمَّا فُرِض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»٤.
وقد استشكل بعض النَّاس٥ هذا وقال: رسولُ الله ﷺ إنَّما قدِمَ المدينةَ في شهر ربيعٍ الأوَّل، فكيف يقول ابن عبَّاسٍ: إنَّه قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؟
وفيه إشكالٌ آخر، وهو أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين»٦ عن عائشة أنَّها قالت: كانت قريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهليَّة، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلمَّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه٧، فلمَّا فُرِض شهر رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه».
(١) رواه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) ق، ك، مب: «صوم».
(٣) رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم (١١٣٠/ ١٢٨) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) وهو الحديث الذي سيذكره المصنف بعد قليل.
(٥) انظر: «الفتح» (٤/ ٢٤٧).
(٦) البخاري (٤٥٠٤) ومسلم (١١٢٥/ ١١٣).
(٧) ص، ج، ع: «بصومه». والمثبت من ق، ك، مب موافق لما في البخاري.
وإشكالٌ آخر، وهو ما ثبت في «الصَّحيحين»١ أنَّ الأشعث بن قيسٍ دخل على عبد الله بن مسعودٍ وهو يتغدَّى، فقال: أبا محمد، ادنُ إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّما هو يومٌ كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلمَّا نزل رمضان تركه.
وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء أو أمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يومٌ تعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال رسول الله ﷺ: «إذا كان العامُ المقبلُ إن شاء الله صمنا اليوم التَّاسع». فلم يأتِ العام المقبل حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ.
فهذا فيه أنَّ صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعامٍ، وحديثه المتقدِّم فيه أنَّ ذلك كان عند مقدمه المدينة. ثمَّ ابن مسعودٍ أخبر أنَّ يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عبَّاسٍ المذكور، ولا يمكن أن يقال: تُرِك فرضه، لأنَّه لم يفرض، لما قد ثبت في «الصَّحيحين»٣ عن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائمٌ، فمن شاء فليصم٤، ومن شاء فليُفطِر». ومعاوية إنَّما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.
(١) رواه مسلم (١١٢٧/ ١٢٢). ورواه البخاري (٤٥٠٣) ولكن من طريق أخرى.