وإشكالٌ آخر، وهو ما ثبت في «الصَّحيحين»١ أنَّ الأشعث بن قيسٍ دخل على عبد الله بن مسعودٍ وهو يتغدَّى، فقال: أبا محمد، ادنُ إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّما هو يومٌ كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلمَّا نزل رمضان تركه.
وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء أو أمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يومٌ تعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال رسول الله ﷺ: «إذا كان العامُ المقبلُ إن شاء الله صمنا اليوم التَّاسع». فلم يأتِ العام المقبل حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ.
فهذا فيه أنَّ صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعامٍ، وحديثه المتقدِّم فيه أنَّ ذلك كان عند مقدمه المدينة. ثمَّ ابن مسعودٍ أخبر أنَّ يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عبَّاسٍ المذكور، ولا يمكن أن يقال: تُرِك فرضه، لأنَّه لم يفرض، لما قد ثبت في «الصَّحيحين»٣ عن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائمٌ، فمن شاء فليصم٤، ومن شاء فليُفطِر». ومعاوية إنَّما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.
(١) رواه مسلم (١١٢٧/ ١٢٢). ورواه البخاري (٤٥٠٣) ولكن من طريق أخرى.
(٢) برقم (١١٣٤/ ١٣٣).
(٣) البخاري (٢٠٠٣) ومسلم (١١٢٩).
(٤) ص، ج، ك، ع: «فليصمه». والمثبت من ق، مب.
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ مسلمًا روى في «صحيحه»١ عن عبد الله بن عبَّاسٍ أنَّه لمَّا قيل لرسول الله ﷺ: إنَّ هذا اليوم تُعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال: «إن٢ بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التّاسع»، فلم يأتِ العام القابل حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ. ثمَّ روى مسلم في «صحيحه»٣ عن الحكم [بن]٤ الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عبَّاسٍ وهو متوسِّدٌ رداءه في زمزم، فقلت له: أخبِرْني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُدْ، وأصبِحِ التّاسعَ صائمًا. قلت: هكذا كان يصومه محمد ﷺ؟ قال: نعم.
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ صومه إن كان مفروضًا في أوَّل الإسلام فلم يأمرهم بقضائه، وقد فات تبييتُ النية له من اللَّيل، وإن لم يكن فرضًا فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟ كما في «المسند» و«السُّنن»٥ من وجوهٍ متعدِّدةٍ أن النبي ﷺ أمر من كان طعِمَ فيه أن يُتِمَّ بقيَّة يومه. وهذا إنَّما يكون في الواجب، وكيف يصحُّ قول ابن مسعودٍ: فلمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، واستحبابه لم يُترك؟
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ ابن عبَّاسٍ جعل عاشوراء يوم التَّاسع، وأخبر أنَّ هكذا كان يصومه ﷺ، وهو الذي روى عن النَّبيِّ ﷺ: «صوموا يوم
(١) برقم (١١٣٤/ ١٣٤، ١٣٣).
(٢) ج: «لئن».
(٣) برقم (١١٣٣).
(٤) هنا بياض في ص. وفي بقية النسخ بدون «بن». والمثبت من «صحيح مسلم».
(٥) رواه أحمد (١٦٥٢٦) والنسائي (٢٣٢١) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ . وهو مخرج أيضًا عند البخاري (١٩٢٤) ومسلم (١١٣٥).