زاد المعاد

والزبيدي١، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيليُّ، عن الزُّهريِّ، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصحُّ. وقال الترمذي٢: وقد رُوي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصحُّ. ومنهم من يصحِّح رفعه لثقة رافعه وعدالته. وحديث عائشة أيضًا٣ رُوي مرفوعًا وموقوفًا، واختُلِف في تصحيح رفعه.

فإن لم يثبت رفعه فلا كلامَ، وإن ثبت رفعه فمعلومٌ أنَّ هذا إنَّما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخِّرٌ عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكمٍ واجبٍ وهو التَّبييت، وليس نسخًا لحكمٍ ثابتٍ بخطابٍ، فإجزاء صيام عاشوراء بنيَّةٍ من النَّهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التَّبييت من اللَّيل، ثمَّ نُسخ وجوب صومه برمضان وتجدَّد وجوب التَّبييت. فهذه طريقةٌ.

وطريقةٌ ثانيةٌ: وهي طريقة أصحاب أبي حنيفة، أنَّ وجوب عاشوراء تضمَّن أمرين: وجوبَ صوم ذلك اليوم وإجزاءه بنيَّةٍ من النَّهار، ثمَّ نُسخ تعيين الواجب بواجبٍ آخر، فبقي حكم الإجزاء بنيَّةٍ من النَّهار غير منسوخٍ٤.

وطريقةٌ ثالثةٌ: وهي أنَّ الوجوب٥ تابعٌ للعلم، ووجوب عاشوراء إنَّما

  1. (١) في مب، المطبوع: «الزهري»، خطأ.
  2. (٢) عند الحديث رقم (٧٣٠).
  3. (٣) رواه الدارقطني (٢٢١٣) والبيهقي (٤/ ٢٠٣). قال الدارقطني: «تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل (بن فضالة) بهذا الإسناد، وكلهم ثقات». وعبد الله بن عباد ضعيف. انظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٥٠) و«لسان الميزان» (٤/ ٥٠٥).
  4. (٤) ص، ج، ق، ع، مب: «منسوخة». والمثبت من ك.
  5. (٥) ع: «الواجب».
91

عُلِم من النَّهار، وحينئذٍ فلم يكن التَّبييت ممكنًا، فالنية وجبت وقتَ تجدُّد الوجوب والعلم به، وإلَّا كان تكليفًا بما لا يطاق وهو ممتنعٌ. قالوا: وعلى هذا إذا قامت١ البيِّنة بالرُّؤية في أثناء النَّهار أجزأ صومه بنيَّةٍ مقارنةٍ للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء.

وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها أصحُّ الطُّرق وأقربها إلى موافقة أصول الشَّرع وقواعده، وعليها تدلُّ الأحاديث ويجتمع شَمْلُها الذي يُظنُّ تفرُّقه، ويُتخلَّص من دعوى النَّسخ بغير ضرورةٍ. وغير هذه الطَّريقة لا بدَّ فيه من مخالفة قاعدةٍ من قواعد الشَّرع أو مخالفة بعض الآثار.

وإذا كان النَّبيُّ ﷺ لم يأمر أهل قُباءٍ بإعادة الصَّلاة الَّتي صلَّوا بعضها إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التَّحوُّل، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصَّوم أو لم يتمكَّن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء، ولا يقال: إنَّه ترك التَّبييت الواجب، إذ وجوب التَّبييت تابعٌ للعلم بوجوب المبيَّت، وهذا في غاية الظُّهور.

ولا ريبَ أنَّ هذه الطَّريقة أصحُّ من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يُجزئ صيامه بنيَّةٍ من النَّهار، ثمَّ نُسخ الحكم بوجوبه فنُسخت متعلِّقاته، ومن متعلِّقاته إجزاء صيامه بنيَّةٍ من النَّهار؛ لأنَّ متعلِّقاته تابعةٌ له، وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلُّقاته، فإنَّ إجزاء الصيام٢ الواجب بنيَّةٍ من النَّهار لم يكن من متعلِّقات٣ خصوص هذا اليوم، بل من متعلِّقات

  1. (١) «إذا قامت» ساقطة من ق.
  2. (٢) ق، مب: «الصوم».
  3. (٣) ق، ج، ص، مب: «تعلقات».
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي