الصَّوم الواجب، والصَّوم الواجب لم يَزُل، وإنَّما زال تعيينُه فنُقِل من محلٍّ إلى محلٍّ، والإجزاء بنيَّةٍ من النَّهار وعدمه من توابع أصل الصَّوم لا تعيينه.
وأصحُّ من طريقة من يقول: إنَّ صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قطُّ؛ لأنَّه قد ثبت الأمر به، وتأكيد الأمر بالنِّداء العامِّ، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكلُّ هذا ظاهرٌ قويٌّ في الوجوب، ويقول ابن مسعودٍ: إنَّه لمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء. ومعلومٌ أنَّ استحبابه لم يُترك بالأدلَّة الَّتي تقدَّمت وغيرها، فتعيَّن١ أن يكون المتروك وجوبه.
فهذه خمس٢ طرقٍ للنَّاس في ذلك. والله الموفق للصواب.
فصل
وأمَّا الإشكال الرابع، وهو أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التَّاسع»، وأنَّه توفِّي قبل العام المقبل، وقول ابن عبَّاسٍ: إنَّ رسول الله ﷺ كان يصوم التَّاسع٣ = فابن عبَّاسٍ روى هذا وهذا، وصحَّ عنه هذا وهذا، ولا تَنافيَ بينهما، إذ من الممكن أن يصوم التَّاسع ويخبر أنَّه إن بقي إلى٤ العام القابل صامه، أو يكون ابن عبَّاسٍ أخبر عن فعله مستندًا إلى ما عزم عليه ووعد به، ويصحُّ الإخبار عن ذلك مقيَّدًا، أي: كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال. وعلى كلِّ واحدٍ من الاحتمالين فلا تَنافيَ بين الخبرين.
(١) ق، مب: «فيتعين».
(٢) ق، ص، ج، ع، مب: «خمسة». والمثبت من ك.
(٣) تقدم تخريجهما.
(٤) «إلى» من ق، مب، وليست في بقية النسخ.
فصل
وأمَّا الإشكال الخامس، فقد تقدَّم جوابه بما فيه كفايةٌ.
فصل
وأمَّا الإشكال السادس، وهو قول ابن عبَّاسٍ: اعدُدْ تسعًا وأصبِحْ يوم التَّاسع١ صائمًا، فمن تأمَّل مجموع روايات ابن عبَّاسٍ تبيَّن له زوال الإشكال، وسعةُ علم ابن عبَّاسٍ، فإنَّه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التَّاسع، بل قال للسَّائل: صم اليوم التَّاسع، واكتفى بمعرفة السَّائل أنَّ يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعدُّه النَّاس كلُّهم يوم عاشوراء، فأرشد السَّائل إلى صيام التَّاسع معه، وأخبر أنَّ رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك. فإمَّا أن يكون فعلَ ذلك وهو الأولى، وإمَّا أن يكون حملَ فعلَه على الأمر به وعزمِه عليه في المستقبل، ويدلُّ على ذلك أنَّه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده»، وهو الذي روى: «أمرنا رسول الله ﷺ بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر». وكلُّ هذه الآثار عنه يُصدِّق بعضها بعضًا ويؤيِّد بعضها بعضًا٢.
فمراتب صومه ثلاثةٌ: أكملُها أن يصام قبله يومٌ وبعده يومٌ، ويلي ذلك أن يصام التَّاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصَّوم. وأمَّا إفراد التَّاسع فمِنْ نَقْصِ فهم الآثار، وعدمِ تتبُّع ألفاظها وطرقها، وهو بعيدٌ من اللُّغة والشَّرع، والله الموفِّق للصَّواب.
وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر فقال: قد ظهر أنَّ القصد مخالفة