وقد روى الإمام أحمد وأبو داود١ عن عبد الله بن بُسْر٢ السلمي عن أخته الصَّمَّاء أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تصوموا يومَ السَّبت إلا فيما افتُرِض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لِحاءَ عنبٍ أو عودَ شجرةٍ فليمضغْه».
فاختلف النَّاس في هذين الحديثين، فقال مالك: هذا كذبٌ، يريد حديث عبد الله بن بسرٍ، ذكره عنه أبو داود٣. وقال الترمذي: هو حديثٌ حسنٌ. وقال أبو داود٤: هذا الحديث منسوخٌ. وقال النَّسائيُّ٥: هو حديثٌ مضطربٌ.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا تعارضَ بينه وبين حديث أم سلمة، فإنَّ النَّهي عن صومه إنَّما هو نهيٌ٦ عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: «باب النَّهي أن يخصَّ يوم السَّبت بالصَّوم»، وحديث صيامه إنَّما هو مع يوم الأحد. قالوا: ونظير هذا أنَّه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصَّوم، إلا٧ أن
(١) أحمد (٢٧٠٧٥) وأبو داود (٢٤٢١)، ورواه الترمذي (٧٤٤) وابن ماجه (١٧٢٦)، والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة (٢١٦٣) والحاكم (١/ ٤٣٥) وابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٧٦٣) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٧/ ١٨٠)، وأعله آخرون. انظر: «البدر المنير» (٥/ ٧٥٩) و«التلخيص الحبير» (٢/ ٢١٦) و«الإرواء» (٤/ ١١٨).
وبهذا يزول الإشكال الذي ظنَّه من قال: إنَّ صومه نوعُ تعظيمٍ له، فهو موافقةٌ لأهل الكتاب في تعظيمه وإن تضمَّن مخالفتهم في صومه، فإنَّ التَّعظيم إنَّما يكون إذا أفرد بالصَّوم، ولا ريبَ أنَّ الحديث لم يجئ بإفراده، وأمَّا إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيمٌ. والله أعلم.
فصل
ولم يكن من هديه ﷺ سردُ الصَّوم وصيام الدَّهر، بل قد قال: «إنّ من صام الدَّهر لا صام ولا أفطر»٢. وليس مراده بهذا من صام الأيَّام المحرَّمة، فإنَّه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيتَ من صام الدَّهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرَّم: لا صام ولا أفطر، فإنَّ هذا يُؤذِن بأنَّه سواءٌ فطرُه وصومُه، لا يثاب ولا يعاقَب، وليس كذلك من فعل ما حُرِّم عليه من الصِّيام. فليس هذا جوابًا مطابقًا للسُّؤال عن المحرَّم من الصَّوم.
وأيضًا فإنَّ هذا عند من استحبَّ صوم الدَّهر قد فعل حرامًا ومستحبًّا، وهو عندهم قد صام بالنِّسبة إلى أيَّام الاستحباب، وارتكب محرَّمًا بالنِّسبة إلى أيَّام التَّحريم، وفي كلٍّ منهما لا يقال: ما صام ولا أفطر. فتنزيلُ قوله على ذلك غلطٌ ظاهرٌ.
(١) رواه البخاري (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤/ ١٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أحمد (١٦٣١٥) من حديث عبد الله بن الشخير﵁ -، وصححه ابن خزيمة (٢١٥٠) والحاكم (١/ ٤٣٥)، وهو عند مسلم (١١٦٢/ ١٩٦) من حديث أبي قتادة ﵁.