زاد المعاد

والصُّبحَ في جماعةٍ بمن قام اللَّيل كلَّه١.

فإن قيل: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعريِّ: «مَن صام الدَّهر ضُيِّقتْ عليه جهنَّم حتَّى تكون هكذا»، وقبض كفَّه وهو في «مسند أحمد»٢؟

قيل: قد اختُلِف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضُيِّقتْ عليه حصرًا له فيها، لتشديده على نفسه وحمْلِه عليها، ورغبتِه عن هَدْي رسول الله ﷺ، واعتقادِه أنَّ غيره أفضل منه.

وقال آخرون: بل ضُيِّقتْ عليه، فلا يبقى له فيها موضعٌ. ورجَّحت هذه الطَّائفة هذا التَّأويل، بأنَّ الصَّائم لمَّا ضيَّق على نفسه مسالكَ الشَّهوات وطُرقَها بالصَّوم ضيَّق الله عليه النَّار، فلا يبقى له فيها مكانٌ، لأنَّه ضيَّق طُرقَها عنه.

ورجَّحت الطَّائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى لقال: ضُيِّقتْ عنه، وأمَّا التَّضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قالوا: وهذا التَّأويل يوافق٣ أحاديثَ كراهة صوم الدَّهر، وأنَّ فاعله بمنزلة من لم يصُمْ، والله أعلم٤.

  1. (١) رواه مسلم (٦٥٦) من حديث عثمان بن عفان ﵁ .
  2. (٢) برقم (١٩٧١٣). والحديث صححه ابن خزيمة (٢١٥٤) وابن حبان (٣٥٨٤) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٢٠٢).
  3. (٣) ك، ص، ج، مب: «موافق».
  4. (٤) «والله أعلم» ليست في ص.
102

فصل

وكان ﷺ يدخل على أهله فيقول: «هل عندكم شيءٌ؟»، فإن قالوا: لا، قال: «إنِّي إذًا صائمٌ». فينشئ النيَّة للتَّطوُّع من النَّهار. وكان أحيانًا ينوي صوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر بعدُ. أخبرت عائشة عنه بهذا وهذا، فالأوَّل في «صحيح مسلم»١، والثَّاني في «كتاب النَّسائي»٢.

وأمَّا الحديث الذي في «السُّنن»٣ عن عائشة: كنتُ أنا وحفصة صائمتين، فعُرِضَ لنا طعامٌ اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ فبدرَتْني إليه حفصة، وكانت ابنةَ أبيها، فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّا كنَّا صائمتين، فعُرِضَ لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: «اقْضِيا يومًا مكانه» = فهو حديثٌ معلولٌ. قال الترمذي٤: روى مالك بن أنسٍ، ومعمر، وعبد الله٥ بن عمر، وزياد بن سعدٍ، وغير واحدٍ من الحفَّاظ، عن الزُّهريِّ عن عائشة مرسلًا، لم يذكروا فيه «عن عروة»، وهذا أصحُّ.

  1. (١) برقم (١١٥٤/ ١٧٠).
  2. (٢) برقم (٢٣٢٢).
  3. (٣) رواه الترمذي (٧٣٥) وأحمد (٢٦٢٦٧) من طريق جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورواه أبو داود (٢٤٥٧) والنسائي في «الكبرى» (٣٢٧٧) من طريق حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى عروة عن عروة عن عائشة مرفوعًا. والحديث ضعيف كما سيأتي تفصيله في كلام المؤلف. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٥٢٠٢)، «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ٢٩١).
  4. (٤) في «الجامع» عقب (٧٣٥).
  5. (٥) كذا في النسخ. والصواب «عبيد الله» كما في الترمذي. ونبّه عليه في ك، ع.
103

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي