زاد المعاد

الثَّالثة: عمرته الَّتي قَرنَها مع حجَّته، فإنَّه كان قارنًا، لبضعة عشر دليلًا سنذكرها عن قريبٍ إن شاء اللَّه.

الرَّابعة: عمرته من الجِعْرَانة، لمَّا خرج إلى حنينٍ ثمَّ رجع إلى مكَّة، فاعتمر من الجعرانة داخلًا إليها. ففي «الصَّحيحين»١ عن أنس بن مالكٍ قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَرٍ، كلُّهنَّ في ذي القعدة، إلا الَّتي مع حجَّته: عمرةٌ من الحديبية أو زمنَ الحديبية في ذي القعدة، وعمرةٌ من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةٌ من الجِعرانة حيث قَسَم غنائم حنينٍ في ذي القعدة، وعمرةٌ مع حجَّته٢.

ولا يناقض هذا ما في «الصَّحيحين»٣ عن البراء بن عازبٍ قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحجَّ مرَّتين. لأنَّه أراد العمرة المفردة المستقلَّة التي تمَّتْ، ولا ريبَ أنَّهما اثنتان، فإنَّ عمرة القِران لم تكن مستقلَّةً، وعمرة الحديبية صُدَّ عنها، وحِيلَ بينه٤ وبين إتمامها. وكذلك قال ابن عبَّاسٍ: اعتمر النبي ﷺ أربع عُمَرٍ: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابلٍ، والثَّالثة من الجعرانة، والرَّابعة مع حجَّته. ذكره الإمام أحمد٥.

  1. (١) البخاري (٤١٤٨) ومسلم (١٢٥٣).
  2. (٢) «وعمرة مع حجته» ليست في ص.
  3. (٣) إنما رواه البخاري (١٧٨١) من حديث البراء ﵁ .
  4. (٤) ص: «بينهم». ق: «بينها».
  5. (٥) في «المسند» (٢٢١١)، ورواه أيضًا أبو داود (١٩٩٣) والترمذي (٨١٦) وابن ماجه (٣٠٠٣). وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٣٩٤٦) والحاكم (٣/ ٥٠) والألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٢٣٤).
112

ولا تناقضَ بين حديث أنس: أنَّهنَّ في ذي القعدة إلا الَّتي مع حجَّته، وبين قول عائشة وابن عبَّاسٍ: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة١؛ لأنَّ مبدأ عمرة القِران كان في ذي القعدة، ونهايتها كان في ذي الحجَّة مع انقضاء الحجِّ، فعائشة وابن عبَّاسٍ أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها.

وأما قول عبد الله بن عمر: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربعًا، إحداهنَّ في رجبٍ= فوهمٌ منه، قالت عائشة لمَّا بلغها ذلك عنه: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرةً قطُّ إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجبٍ قطُّ»٢.

وأمَّا ما رواه الدَّارقطنيُّ٣ عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرةٍ في رمضان، فأفطر وصمتُ، وقصَرَ وأتممتُ، فقلت: بأبي وأمِّي، أفطرتَ وصمتُ وقصَرتَ وأتممتُ، فقال: «أحسنتِ يا عائشة» = فهذا الحديث غلطٌ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قطُّ، وعُمَره مضبوطة العدد والزَّمان، ونحن نقول: يرحم الله أمَّ المؤمنين، ما اعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قطُّ، وقد قالت ﵂: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة. رواه ابن ماجه وغيره٤.

  1. (١) حديث ابن عباس ﵄ رواه ابن ماجه (٢٩٩٦) وأبو يعلى (٢٣٤٠)، وفي إسناده ابن أبي ليلى متكلم فيه، ويشهد له حديث عائشة الآتي.
  2. (٢) رواه البخاري (١٧٧٦) ومسلم (١٢٥٥).
  3. (٣) برقم (٢٢٩٣). وتقدم الكلام عليه.
  4. (٤) رواه ابن ماجه (٢٩٩٧) من طريق ابن أبي شيبة (١٣٢٠٤)، وإسناده صحيح كما قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٦٠٠). ورواه أيضًا من طريق آخر عنها أحمد (٢٥٩١٠)، وفي إسناده ابن إسحاق وقد عنعن.
113

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي