فإن قيل: فقد ثبت في «صحيح البخاريِّ»١ أنَّه ﷺ قال لها: «ارفُضِي عمرتك، وانقُضِي رأسَك وامتشطي»، وفي لفظٍ آخر٢: «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ، ودعي العمرة»، وهذا صريحٌ في رفضها من وجهين، أحدهما: قوله ارفُضيها ودعيها، والثَّاني: أمره لها بالامتشاط.
قيل: معنى قوله «ارفضيها»: اتركي أفعالها والاقتصارَ عليها، وكوني في حجَّةٍ معها. ويتعيَّن أن يكون هذا المراد لقوله: «حللت منهما جميعًا» لمَّا قضتْ أعمال الحجِّ، وقولِه: «يسَعُكِ طوافُك لحجِّك وعمرتك»، فهذا صريحٌ أنَّ إحرام العمرة لم يَرتفِضْ٣، وإنَّما رفضتْ أعمالَها والاقتصارَ عليها، وأنَّها بانقضاء حجِّها٤ انقضى حجُّها وعمرتها، ثمَّ أعمرَها من التَّنعيم تطييبًا لقلبها، إذ تأتي بعمرةٍ مستقلَّةٍ كصواحباتها.
ويُوضح ذلك إيضاحًا بيِّنًا ما روى مسلم في «صحيحه»٥ من حديث الزُّهريِّ، عن عروة عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، فحِضتُ، فلم أزل حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، ولم أُهِلَّ إلا بعمرةٍ، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقُضَ رأسي وأمتشط، وأُهِلَّ بالحجِّ، وأترك العمرة، قالت: ففعلتُ ذلك، حتَّى إذا قضيتُ حجِّي بعث معي رسول الله ﷺ عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، وأمرني أن أعتمر من التَّنعيم مكانَ عمرتي الَّتي
(١) برقم (١٧٨٣) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٣١٦) ومسلم (١٢١١/ ١١١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ب: «يرفض».
(٤) «بانقضاء حجها» ليست في ك.
(٥) برقم (١٢١١/ ١١٢) من حديث عائشة ﵂.
أدركني الحجُّ ولم أحِلَّ١ منها. فهذا حديثٌ في غاية الصِّحَّة والصَّراحة أنَّها لم تكن أَحلَّتْ من عمرتها، وأنَّها بقيتْ محرِمةً بها٢ حتَّى أدخلت عليها الحجَّ، فهذا خبرها عن نفسها، وذاك قول رسول الله ﷺ لها، كلٌّ منهما يوافق الآخر، وباللَّه التَّوفيق.
وفي قوله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة»٣ دليلٌ على التَّفريق بين الحجِّ والعمرة في التَّكرار، وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العمرة كالحجِّ لا تُفعل في السَّنة إلا مرَّةً٤ لسوَّى بينهما ولم يفرِّق.
وروى الشَّافعيُّ٥ عن علي أنَّه قال: في كلِّ شهرٍ مرَّةً٦. وروى وكيعٌ عن إسرائيل، عن سُويد بن أبي ناجية، عن أبي جعفر قال: قال علي: اعتمِرْ في الشَّهر إن أطقتَ مرارًا٧. وذكر سعيد بن منصورٍ عن سفيان عن ابن أبي
(١) ك: «أهل». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في «صحيح مسلم».
(٢) «بها» ليست في ع.
(٣) أخرجه مالك (٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁، ومن طريقه البخاري (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩).
(٤) ج: «لا تفعل إلا مرة واحدة في السنة».
(٥) في «الأم» (٣/ ٣٣٦)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٤٤) و«معرفة السنن» (٧/ ٤٦). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (١٢٨٧٢).
(٦) كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «عمرة». وفي المطبوع زيادة «اعتمر» في أوله ليست في النسخ.
(٧) لم أقف عليه، ولم أعرف سويد بن أبي ناجية، والمؤلف صادر عن شيخه، ينظر: «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦٩).