أدركني الحجُّ ولم أحِلَّ١ منها. فهذا حديثٌ في غاية الصِّحَّة والصَّراحة أنَّها لم تكن أَحلَّتْ من عمرتها، وأنَّها بقيتْ محرِمةً بها٢ حتَّى أدخلت عليها الحجَّ، فهذا خبرها عن نفسها، وذاك قول رسول الله ﷺ لها، كلٌّ منهما يوافق الآخر، وباللَّه التَّوفيق.
وفي قوله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة»٣ دليلٌ على التَّفريق بين الحجِّ والعمرة في التَّكرار، وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العمرة كالحجِّ لا تُفعل في السَّنة إلا مرَّةً٤ لسوَّى بينهما ولم يفرِّق.
وروى الشَّافعيُّ٥ عن علي أنَّه قال: في كلِّ شهرٍ مرَّةً٦. وروى وكيعٌ عن إسرائيل، عن سُويد بن أبي ناجية، عن أبي جعفر قال: قال علي: اعتمِرْ في الشَّهر إن أطقتَ مرارًا٧. وذكر سعيد بن منصورٍ عن سفيان عن ابن أبي
(١) ك: «أهل». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في «صحيح مسلم».
(٢) «بها» ليست في ع.
(٣) أخرجه مالك (٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁، ومن طريقه البخاري (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩).
(٤) ج: «لا تفعل إلا مرة واحدة في السنة».
(٥) في «الأم» (٣/ ٣٣٦)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٤٤) و«معرفة السنن» (٧/ ٤٦). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (١٢٨٧٢).
(٦) كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «عمرة». وفي المطبوع زيادة «اعتمر» في أوله ليست في النسخ.
(٧) لم أقف عليه، ولم أعرف سويد بن أبي ناجية، والمؤلف صادر عن شيخه، ينظر: «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦٩).
حسين١، عن بعض ولد أنس: أنَّ أنسًا كان إذا كان بمكَّة فحمَّم٢ رأسُه، خرج إلى التَّنعيم فاعتمر٣.
فصل
في سياق هديه ﷺ في حجَّته
لا خلاف أنَّه ﷺ لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّةٍ واحدةٍ وهي حجَّة الوداع، ولا خلافَ أنَّها كانت سنة عشرٍ.
واختُلِف: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي٤ عن جابر بن عبد الله قال: حجَّ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَ حِججٍ: حجَّتين قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر معها عمرةٌ. قال الترمذي٥: هذا حديثٌ غريبٌ من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثَّوريِّ، وفي روايةٍ: لا يعدُّ هذا الحديث محفوظًا.
ولمَّا نزل فرض الحجِّ بادرَ رسول الله ﷺ إلى الحجِّ من غير تأخيرٍ، فإنَّ فرض الحجِّ٦ تأخَّر إلى سنة تسعٍ أو عشرٍ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٩٦]، فإنَّها وإن نزلت سنة ستٍّ عامَ الحديبية، فليس فيها
(١) في ق، ك، مب: «سفيان بن أبي حسين»، خطأ.
(٢) ج: «فحم». ك: «حجم»، خطأ. وسبق شرحه.
(٣) ورواه أيضًا الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦) ــ وعنه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٣٤٤) و«المعرفة» (٧/ ٤٦) ــ وابن أبي شيبة (١٢٨٧٤). وفي سنده راو مبهم.
(٤) برقم (٨١٥)، ورواه ابن ماجه (٣٠٧٦) وابن خزيمة (٣٠٥٦).
(٥) في «الجامع» عقب الحديث. وفيه: «ورأيته لم يعد ...» بدل «وفي رواية: لا يعد ...».