حسين١، عن بعض ولد أنس: أنَّ أنسًا كان إذا كان بمكَّة فحمَّم٢ رأسُه، خرج إلى التَّنعيم فاعتمر٣.
فصل
في سياق هديه ﷺ في حجَّته
لا خلاف أنَّه ﷺ لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّةٍ واحدةٍ وهي حجَّة الوداع، ولا خلافَ أنَّها كانت سنة عشرٍ.
واختُلِف: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي٤ عن جابر بن عبد الله قال: حجَّ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَ حِججٍ: حجَّتين قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر معها عمرةٌ. قال الترمذي٥: هذا حديثٌ غريبٌ من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثَّوريِّ، وفي روايةٍ: لا يعدُّ هذا الحديث محفوظًا.
ولمَّا نزل فرض الحجِّ بادرَ رسول الله ﷺ إلى الحجِّ من غير تأخيرٍ، فإنَّ فرض الحجِّ٦ تأخَّر إلى سنة تسعٍ أو عشرٍ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٩٦]، فإنَّها وإن نزلت سنة ستٍّ عامَ الحديبية، فليس فيها
(١) في ق، ك، مب: «سفيان بن أبي حسين»، خطأ.
(٢) ج: «فحم». ك: «حجم»، خطأ. وسبق شرحه.
(٣) ورواه أيضًا الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦) ــ وعنه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٣٤٤) و«المعرفة» (٧/ ٤٦) ــ وابن أبي شيبة (١٢٨٧٤). وفي سنده راو مبهم.
(٤) برقم (٨١٥)، ورواه ابن ماجه (٣٠٧٦) وابن خزيمة (٣٠٥٦).
(٥) في «الجامع» عقب الحديث. وفيه: «ورأيته لم يعد ...» بدل «وفي رواية: لا يعد ...».
(٦) «بادر ... الحج» سقطت من ق بسبب انتقال النظر.
فريضة١ الحجِّ، وإنَّما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمامِ العمرة بعد الشُّروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوبَ الابتداء.
فإن قيل: فمن أين لكم تأخُّر٢ نزول فرضه إلى التَّاسعة أو العاشرة؟
قيل: لأنَّ صدْر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنَّما نزلت عام تبوك سنة تسعٍ، وفيها نزل صدر سورة٣ آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التَّوحيد والمباهلة. ويدلُّ عليه أنَّ أهل مكَّة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التِّجارة من المشركين لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾[التوبة: ٢٨]، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية. ونزولُ هذه الآيات٤ والمناداةُ بها إنَّما كان في سنة تسعٍ، وبعث الصِّدِّيق يؤذِّن بذلك في مكَّة في مواسم الحجِّ، وأردفه بعلي. وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحدٍ من السَّلف. والله أعلم.
فصل
ولمَّا عزم رسول الله ﷺ على الحجِّ أعلمَ النَّاسَ أنَّه حاجٌّ، فتجهَّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجَّ مع رسول الله ﷺ، ووافاه في الطَّريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانوا من بين يديه