سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمَّدٍ بعمرةٍ في حجٍّ».
وثامن عشرها: ما أخرجاه في «الصَّحيحين»١ ــ واللَّفظ لمسلم ــ عن حفصة قالت: قلت للنَّبيِّ ﷺ: ما شأن النَّاس حَلُّوا ولم تَحلِلْ من عمرتك؟ قال: «إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحجِّ». وهذا يدلُّ على أنَّه كان في عمرةٍ معها حجٌّ، وأنَّه لا يحلُّ من العمرة حتَّى يحلَّ من الحجِّ. وهذا على أصل مالك والشَّافعيِّ ألزمُ؛ لأنَّ المعتمر عمرةً مفردةً لا يمنعه عندهما الهديُ من التَّحلُّل، وإنَّما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نصٌّ.
وتاسع عشرها: ما رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ٢ عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنَّه سمع سعد بن أبي وقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بن قيسٍ عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهِلَ أمرَ اللَّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي! قال الضحاك: فإنَّ٣ عمر بن الخطَّاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(١) رواه البخاري (١٦٩٧) ومسلم (١٢٢٩/ ١٧٧).
(٢) النسائي (٢٧٣٤) والترمذي (٨٢٣)، ورواه أحمد (١٥٠٣)، وصححه الترمذي وابن حبان (٣٩٣٩).
(٣) ك، ع: «قال».
ومراده هنا بالتَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ: أحدُ نوعيه، وهو تمتُّع القِران، فإنّ لغة القرآن والصَّحابةِ الذين شهدوا التَّنزيل والتَّأويل تشهد بذلك، ولهذا قال ابن عمر١: «تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ»، وكذلك قالت عائشة٢.
وأيضًا فالذي صنعه رسول الله ﷺ هو متعة القِران بلا شكٍّ، كما قطع به أحمد، ويدلُّ على ذلك أنَّ عمران بن حُصينٍ قال: تمتَّع رسول الله ﷺ وتمتَّعنا معه. متَّفقٌ عليه٣. وهو الذي قال لمطرِّف: أُحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إنَّ رسول الله ﷺ جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات. وهو في «صحيح مسلم»٤. فأخبر عن قِرانه بقوله: «تمتَّع»، وبقوله: «جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ».
ويدلُّ عليه أيضًا ما ثبت في «الصَّحيحين» عن سعيد بن المسيِّب قال: اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدَعَك. فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا. هذا لفظ مسلم٥.
(١) رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧).
(٢) رواه البخاري (١٦٩٢) ومسلم (١٢٢٨).
(٣) رواه البخاري (١٥٧١) ومسلم (١٢٢٦/ ١٧١) واللفظ له.