ولفظ البخاريِّ١: «اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله ﷺ، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا».
وخرَّج البخاريُّ٢ وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدتُ عليًّا وعثمان، وعثمانُ ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما: لبَّيك بعمرةٍ وحجَّةٍ، وقال: ما كنتُ أَدَعُ سنَّة النبي ﷺ لقول أحدٍ.
فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله النبي ﷺ، وقد وافقه عثمان على أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك، فإنَّه لمَّا قال له: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه، لم يقل له: لَمْ يفعله رسول الله ﷺ، ولولا أنَّه وافقه على ذلك لأنكره. ثمَّ قصد عليٌّ موافقةَ النَّبيِّ ﷺ، والاقتداءَ به في ذلك، وبيانَ أنَّ فعْلَه لم يُنسَخ، فأهلَّ بهما جميعًا، تقريرًا للاقتداء به ومتابعته في القِران، وإظهارًا لسنَّةٍ نهى عنها عثمان متأوِّلًا، وحينئذٍ فهذا دليلٌ مستقلٌّ تمام العشرين.
الحادي والعشرون: ما رواه مالك، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداع، فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال رسول الله ﷺ: «من كان معه هَدْيٌ فليُهِللْ بالحجِّ مع العمرة، ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا». رواه في «الموطأ»٣.
(١) برقم (١٥٦٩).
(٢) برقم (١٥٦٣).
(٣) برقم (١٢٢٨)، ومن طريقه البخاري (٤٣٩٥) ومسلم (١٢١١/ ١١١). ورواه مالك أيضًا (١٢٢٧) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂.
ومعلومٌ أنَّه كان معه الهدي، فهو أولى من بادر إلى ما أمر به، وقد دلَّ عليه سائر الأحاديث الَّتي ذكرناها ونذكرها.
وقد ذهب جماعةٌ من السَّلف والخلف إلى إيجاب القِران على١ من ساق الهدي، والتمتُّع بالعمرة المفردة على من لم يَسُقِ الهدي، منهم: عبد الله بن عبَّاسٍ وجماعةٌ، فعندهم لا يجوز العدول عمَّا فعله رسول الله ﷺ وأمر به أصحابه، فإنَّه قرنَ وساق وأمرَ كلَّ من لا هدْيَ معه بالفسخ إلى عمرةٍ مفردةٍ، فالواجب أن يُفعَل كما فعله أو كما أمر. وهذا القول أصحُّ من قول من حرَّم فسخ الحجِّ إلى العمرة، من وجوهٍ كثيرةٍ٢ سنذكرها إن شاء الله تعالى.
الثَّاني والعشرون: ما خرَّجا في «الصَّحيحين»٣ عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالكٍ قال: صلَّى النبي ﷺ ونحن معه بالمدينة الظُّهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتَّى أصبح. ركبَ حتَّى استوت به راحلته على البيداء، حمِدَ الله وسبَّح ثمَّ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، وأهلَّ النَّاس بهما. فلمَّا قدِمنا أمر النَّاسَ فحلُّوا، حتَّى إذا كان يوم التَّروية أهلُّوا بالحجِّ.
وفي «الصَّحيحين»٤ أيضًا عن بكر بن عبد الله المزنيِّ، عن أنس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدَّثتُ بذلك ابن عمر فقال: لبَّى بالحجِّ وحده. فلقيتُ أنسًا، فحدَّثته بقول ابن عمر فقال