أوفى، وأبو طلحة، والهِرْماس بن زيادٍ، وأم سلمة، وأنس بن مالكٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ. فهؤلاء سبعة عشر صحابيًّا، منهم من روى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به.
فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرًا وعائشة وابن عبَّاسٍ؟ وهذه عائشة تقول: «أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ»، وفي لفظٍ: «أفرد الحجَّ»، والأوَّل في «الصَّحيحين»١ والثَّاني في مسلم٢. وله لفظان هذا أحدهما، والثَّاني: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا»، وهذا ابن عمر يقول: «لبَّى بالحجِّ وحده» ذكره البخاريُّ٣، وهذا ابن عبَّاسٍ يقول: «أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ» رواه مسلم٤، وهذا جابر يقول: «أفرد الحجَّ» رواه ابن ماجه٥.
قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطتْ فإنَّ أحاديث الباقين لم تتعارض٦، فهَبْ أنَّ أحاديث من ذكرتم لا حجَّة فيها على القِران ولا على الإفراد لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحَّتها؟ فكيف وأحاديثهم يصدِّق بعضها بعضًا ولا تعارُضَ
(١) البخاري (١٥٦٢) ومسلم (١٢١١/ ١١٨).
(٢) برقم (١٢١١/ ١٢٢).
(٣) إنما رواه مسلم (١٢٣٢/ ١٨٥).
(٤) برقم (١٢٤٠/ ١٩٩).
(٥) برقم (٢٩٦٦) والحديث صحيح.
(٦) ص: «تعارض».
بينها١، وإنَّما ظنَّ من ظنَّ التَّعارض لعدم إحاطته بمراد الصَّحابة من ألفاظهم، وحَمْلِها على الاصطلاح الحادث بعدهم.
ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه٢ فصلًا حسنًا في اتِّفاق أحاديثهم أسوقُه بلفظه، قال٣: والصَّواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب متَّفقةٌ ليست بمختلفةٍ إلا اختلافًا يسيرًا، يقع مثله في غير ذلك، فإنَّ الصَّحابة ثبت عنهم أنَّه تمتَّع، والتَّمتُّع عندهم يتناول القِران، والَّذين رُوي عنهم٤ أنَّه أفرد رُوي عنهم أنَّه تمتَّع.
أمَّا الأوَّل: ففي «الصَّحيحين»٥ عن سعيد بن المسيَّب: «اجتمع عثمان وعلي بعُسْفانَ، وكان٦ عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعَك. فلمَّا رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ، ووافقه عثمان على أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعل ذلك، لكن كان النِّزاع بينهما: هل ذلك الأفضل في حقِّنا أم لا؟ وهل يُشرَع فسخ الحجِّ إلى العمرة في حقِّنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتَّفق علي وعثمان على أنَّه تمتَّع، والمراد بالتَّمتُّع عندهم القِران.