بينها١، وإنَّما ظنَّ من ظنَّ التَّعارض لعدم إحاطته بمراد الصَّحابة من ألفاظهم، وحَمْلِها على الاصطلاح الحادث بعدهم.
ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه٢ فصلًا حسنًا في اتِّفاق أحاديثهم أسوقُه بلفظه، قال٣: والصَّواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب متَّفقةٌ ليست بمختلفةٍ إلا اختلافًا يسيرًا، يقع مثله في غير ذلك، فإنَّ الصَّحابة ثبت عنهم أنَّه تمتَّع، والتَّمتُّع عندهم يتناول القِران، والَّذين رُوي عنهم٤ أنَّه أفرد رُوي عنهم أنَّه تمتَّع.
أمَّا الأوَّل: ففي «الصَّحيحين»٥ عن سعيد بن المسيَّب: «اجتمع عثمان وعلي بعُسْفانَ، وكان٦ عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعَك. فلمَّا رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ، ووافقه عثمان على أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعل ذلك، لكن كان النِّزاع بينهما: هل ذلك الأفضل في حقِّنا أم لا؟ وهل يُشرَع فسخ الحجِّ إلى العمرة في حقِّنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتَّفق علي وعثمان على أنَّه تمتَّع، والمراد بالتَّمتُّع عندهم القِران.
وفي «الصَّحيحين»١ عن مطرِّف قال: قال عمران بن حُصينٍ: إنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ إنَّه لم ينهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآنٌ يحرِّمه. وفي روايةٍ عنه: «تمتَّع نبيُّ الله ﷺ وتمتَّعنا معه». فهذا عمران وهو من أجلِّ السَّابقين الأوَّلين أخبر أنَّه تمتَّع، وأنَّه جمع بين الحجِّ والعمرة.
والقارن عند الصَّحابة متمتِّعٌ، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾[البقرة: ١٩٦]. وذكر حديث عمر: «أتاني آتٍ من ربِّي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرةٌ في حجَّةٍ»٢.
قال٣: فهؤلاء الخلفاء الرَّاشدون عمر وعثمان وعلي وعمران بن حُصينٍ، رُوي عنهم بأصحِّ الأسانيد أنَّ رسول الله ﷺ قرَنَ بين العمرة والحجِّ، وكانوا يسمُّون ذلك تمتُّعًا، وهذا أنس يذكر أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا.
وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيُّ عن ابن عمر أنَّه «لبَّى بالحجِّ وحده»، فجوابه: أنَّ الثِّقات الذين هم أثبتُ في ابن عمر من بكر مثل سالمٍ ابنه ونافعٍ رووا عنه أنَّه قال: «تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ»، وهؤلاء أثبت عن٤ ابن عمر من بكر. فتغليطُ بكرٍ عن ابن عمر أولى من تغليط سالم٥
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أي شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٧٠).
(٤) كذا في النسخ. وفي الفتاوى: «في».
(٥) في المطبوع بعده: «ونافع»، وليست في النسخ والفتاوى.