زاد المعاد

ثمَّ ساق١ حديث الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه: تمتَّع رسول الله ﷺ، الحديث. وقول الزُّهريِّ: وحدَّثني عروة عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه٢. قال٣: فهذا من أصحِّ حديثٍ على وجه الأرض، وهو من حديث الزُّهريِّ ــ أعلمِ أهل زمانه بالسُّنَّة ــ عن سالم عن أبيه، وهو من أصحِّ حديث ابن عمر وعائشة.

وقد ثبت عن عائشة في «الصَّحيحين»٤ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، الرَّابعة مع حجَّته. ولم يعتمر بعد الحجِّ باتِّفاق العلماء، فتعيَّن أن يكون متمتِّعًا تمتُّعَ قرانٍ أو التَّمتُّع الخاصَّ.

وقد صحَّ عن ابن عمر أنَّه قرَنَ بين الحجِّ والعمرة وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. رواه البخاريُّ في «الصَّحيح»٥.

قال٦: وأمَّا الذين نُقل عنهم إفراد الحجِّ فهم ثلاثةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثَّلاثة نُقل عنهم التَّمتُّع، وحديث عائشة وابن عمر أنَّه تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ أصحُّ من حديثهما أنه أفرد الحج٧، وما صحَّ من ذلك عنهما

  1. (١) أي شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٦/ ٧١ - ٧٢).
  2. (٢) بعدها في ك: «تمتع رسول الله ﷺ». وليست في بقية النسخ و«الفتاوى».
  3. (٣) أي شيخ الإسلام.
  4. (٤) هو عند البخاري (١٧٧٩، ١٧٨٠، ٤١٤٨) ومسلم (١٢٥٣) من حديث أنس بهذا السياق.
  5. (٥) برقم (١٦٣٩).
  6. (٦) أي شيخ الإسلام، والكلام متصل بما قبله.
  7. (٧) «أنه أفرد الحج» ساقطة من المطبوع وق، ب، مب.
147

فمعناه إفراد أعمال الحجِّ، أو أن يكون وقع فيه١ غلطٌ٢ كنظائره، فإنَّ أحاديث التَّمتُّع متواترةٌ، رواها أكابر الصَّحابة كعمر وعلي وعثمان وعمران بن حُصينٍ، ورواها أيضًا عائشة وابن عمر وجابر، بل رواها عن النَّبيِّ ﷺ بضعة عشر من الصَّحابة.

قلت: وقد اتَّفق أنس وعائشة وابن عمر وابن عبَّاسٍ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربع عمرٍ، وإنَّما وهِمَ ابن عمر في كون إحداهنَّ في رجبٍ، وكلُّهم قالوا: وعمرةٌ مع حجَّته، وهُم سوى ابن عبَّاسٍ قالوا: إنَّه أفرد الحجَّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتَّع. فقالوا هذا وهذا وهذا، ولا تناقضَ بين أقوالهم، فإنَّه تمتَّع تمتُّع قرانٍ، وأفرد أعمال الحجِّ، وقرنَ بين النُّسكين، فكان قارنًا باعتبار جمعه بين النُّسكين، ومفرِدًا باعتبار اقتصاره على أحد الطَّوافين والسَّعيين، ومتمتِّعًا باعتبار٣ ترفُّهه بترك أحد السَّفرين.

ومن تأمَّل ألفاظ الصَّحابة، وجمعَ الأحاديث بعضها إلى بعضٍ، واعتبر بعضَها ببعضٍ، وفهم لغة الصَّحابة= أسفر له صبحُ الصَّواب، وانقشعتْ عنه ظلمةُ الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرَّشاد الموفِّق لطريق السَّداد.

فمن قال: «إنَّه أفرد الحجَّ»، وأراد به أنَّه أتى٤ بالحجِّ مفردًا، ثمَّ فرغ منه

  1. (١) ك، ع، ب، مب: «منه».
  2. (٢) مب: «غلطًا».
  3. (٣) «باعتبار» ساقطة من المطبوع.
  4. (٤) ج: «لبى».
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي